فاجأ طارق شوقي، وزير التعليم بحكومة الانقلاب، الشعب المصري بتصريحات بالغة الاستفزاز بشأن رفضه لأن يتحمل الوزير- أي وزير- المسئولية عن قراراته الفاشلة. وهي التصريحات التي أطلقها شوقي مساء الاثنين على إحدى شاشات المخابرات.

تصريحات "شوقي" جاءت في سياق الرفض الشعبي العارم لإجراء امتحانات الثانوية العامة في 21 يونيو 2020م، في ظل تزايد معدلات الإصابة بعدوى فيروس "كورونا"، واحتمالات أن تشهد مصر خلال شهر يونيو الجاري ذروة الإصابة بالعدوى.

ورفض الوزير أن تتحمل الدولة المسئولية عن قرارها إذا ثبت أنه قرار غير مدروس، وأدى إلى كارثة أسفرت عن تزايد معدلات الإصابة بالعدوى بصورة كان يمكن تجنبها لو تأجل إجراء الامتحانات.

يقول الوزير «ليس منطقيا محاسبة وزير التربية والتعليم على وسيلة انتقال الطلاب إلى لجان الامتحانات، والحكومة مش هتقدر تحل لكل واحد أزمته". ويضيف شوقي أن الوزارة لا تفرض على الطلاب الموافقة على إجراء الامتحانات، وأن للطلاب الحرية في المشاركة أو الامتناع حال خوفهم على أنفسهم من أي إصابات بكورونا.

وحول سيناريو تأجيل الامتحان، يقول الوزير: «لو أجلنا فربما الأرقام في شهر 9 المقبل تكون أعلى من الآن، وتأجيل الامتحانات سيكون له تبعات أخرى». وردا على سؤال حول تحمل الوزارة لتبعات وتداعيات مشاركة الطلاب في الامتحانات، في ظل ارتفاع الأرقام الخاصة بإصابات كورونا، تابع الوزير: "يعني إيه نتحمل تبعات.. لو زي ما بتقول إن الحكومة تتحمل تبعاتها فكدا مفيش مسئول هيشتغل في الدولة، ولو وزير التموين حد قاله إنه أصيب بكورونا وهو رايح يجيب العيش يبقى مش هيشتغل".

تصريحات شوقي بالغة الشذوذ والاستفزاز؛ وتجمع على الطلاب رعبين: رعب الثانوية ورعب الخوف من العدوى. وإذا فشلت التجربة وتسبب في كارثة فهو ليس مسئولا عنها، وإذا مرت بسلام فهو الوزير الفذ الذي أجرى امتحانات الثانوية في ظل تفشي وباء كورونا؛ بمعنى أنه له مزاياها وليس عليه وزرها!.

تأتي تصريحات شوقي بعد إعلان مدارس النيل  الدولية التابعة لصندوق تطوير التعليم بمجلس الوزراء، في بداية مايو الماضي، عن إلغاء امتحانات آخر العام بكل مواد المرحلة الثانوية الخاصة بطلاب شهادة النيل الثانوية الدولية.

وأضافت وحدة شهادة النيل الدولية، أنها تنسق بالكامل مع هيئة كامبيردج الدولية للتقييم والتعليم بجامعة كامبيردج، لتقييم طلاب المرحلة الثانوية في كافة المواد الدراسية. وقالت إنها اتخذت القرار حفاظا على صحة الطلاب، فكلهم من أبناء الطبقة العسكرية الحاكمة وضباط الشرطة الكبار وأبناء القضاة والمستشارين ورجال الأعمال.

Posted by ‎الثانويه العامه‎ on Monday, June 1, 2020

دلالات تصريحات "شوقي"

الدلالة الأولى :أن هذه التصريحات تعكس انعدام الكفاءة والهروب من المسئولية، فأمثال هذه النوعية من الوزراء يريدون من الوزارة الوجاهة والسلطة والنفوذ، أما عواقبها فهي على أي أحد آخر غيرهم. كما تؤكد هذه التصريحات الشاذة أن مصر لا تديرها حكومة بالمعنى المتعارف عليه دوليا، بل تحكمها عصابة وشبكة مافيا واسعة، تمثل أركان الدولة العميقة التي تنامت وتعزز نفوذها منذ انقلاب 23 يوليو 1952م وسيطرة العسكر على جميع مفاصل الدولة، ولما استفاق الشعب واسترد دولته من هذه المافيا بثورة 25 يناير 2011م؛  تآمرت عليه مرة أخرى وأعادت هيمنتها على مصر بانقلاب عسكري دموي منتصف 2013م. وعلى هذا الأساس يمكن فهم أبعاد تصريحات طارق شوقي التي تفتقد إلى الحكمة الرشد، وتعبر عن مدلولات لا يمكن أن تصدر إلا عن عصابة مغتصبة للحكم وتمارس بلطجة اللصوص وقطاع الطريق.

الدلالة الثانية: أنه إذا كانت الحكومة ووزراؤها ومحافظوها لا يتحملون نتائج قراراتهم الفاشلة فمن يتحملها إذا؟  وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى أي تقدم ملموس ما دام الوزير محصنا من المحاسبة على أخطائه وقراراته الفاشلة؟

الدلالة الثالثة: أن المواطن لا قيمة له عند حكومة الانقلاب؛ فهو مجرد رقم، لا يعنيها كيف يعيش وكيف يعاني وكيف تمارس بحقه أبشع صور الانتهاكات والعنصرية والتمييز، وإذا هان أمر الأطباء عند الحكومة وترمي بهم إلى التهلكة لمواجهة العدوى بدون أدوات وقاية أو حماية وتفضل إهداء المستلزمات الطبية والأدوية والمعقمات وبدل الوقاية من العدوى للصين والولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا والكونغو وزامبيا؛ فهل لا يهون عليها طلاب الثانوية؟

الدلالة الرابعة: أن إصرار حكومة الانقلاب على إجراء الامتحانات في ظل هذه الأوضاع هو إصرار على جريمة مكتملة الأركان؛ ذلك أن امتحانات الثانوية (نصف مليون طالب على الأقل) سوف تزيد من الزحام في الشوارع ووسائل النقل وسوف تضم كل لجنة 14 طالبا بخلاف مشرفين اثنين آخرين وهذا بحد ذاته كفيل  بانتقال العدوى، إلى مزيد من الطلاب الذين سينقلونها بالتبيعة إلى بيوتهم وأسرهم، ما يفاقم الوضع ويضاعف معدلات الإصابة بالعدوى.

الدلالة الخامسة: تصريحات شوقي هي ترجمة حرفية لتصريحات الديكتاتور عبد الفتاح السيسي لضباط الشرطة في أعقاب الانقلاب مباشرة، والتي وعد فيها ضباط الداخلية بالحصانة من المساءلة والمحاسبة على قتل المواطنين وتعذيبهم، سواء في المظاهرات أو مقرات الاعتقال والسجون. فإذا كان الوزراء محصنين من المحاسبة على قراراتهم الفاشلة؟ وإذا كان الضباط محصنين من المحاسبة على جرائم القتل والتعذيب؟ فمن المسئول إذا؟ إنه منطق العصابة وتكريس قانون الغاب، والعصف بكل أركان دولة الدستور والقانون مع سبق الإصرار والترصد.

الدلالة السادسة: محاولة الوزير التخفيف من الصدمة بأن "هذا التجمع وارد في ماتش كرة أو كافيه"، يدل على الخفة والسذاجة؛ لأن الطالب يملك حرية الاختيار بين النزول إلى الكافيه من عدمه، فهو مسئول عن عواقب سلوكه وتصرفه، أما إجراء الامتحانات فإن الطلاب مجبرون عليه ولا يملك حرية الحضور من عدمه.

الدلالة السابعة: تعكس تصريحات شوقي جانبين خلف الكواليس: الأول أن أجهزة الدولة تتوقع استمرار تفشي العدوى بمستويات أكبر حتى سبتمبر المقبل؛ لأن الوزير رد على مطالب التأجيل حتى سبتمبر بأن أرقام الإصابة بالعدوى ربما تكون أسوأ من الأوضاع الحالية. الثاني، أن الوزير في حكومة العسكر هو مجرد واجهة بينما من يدير الدولة فعلا هم جنرالات وضباط الأجهزة الأمنية وهم أصحاب القرار، وما الوزير إلا واجهة لإعلانه، لذلك فشوقي يؤكد في تصريحاته أن القرار ليس مسئولية وزير بقدر ما هو مسئولية دولة. إذا السيسي هو المسئول الأول عن هذه الجريمة وليس طارق شوقي، وهذا عين الحقيقة.

Facebook Comments