كتب أحمدي البنهاوي:

قال شيخ الأزهر، أحمد الطيب، موجها النصح لبعض علماء دين لم يسمهم بـ "ألا يُقحموا أنفسهم في القضايا الفقهية الشائكة، ويهتموا بالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بدلا من المزايدة في قضية الطلاق الشفوي".

 

الغريب أن إحدى القنوات الفضائية الرسمية المصرية نقلت توجيه شيخ الأزهر ضمن ما قالت إنه بيان صدر عن مشيخة الأزهر معلقا على جدل أُثير مؤخراً، نتيجة رفض هيئة كبار العلماء، طلب رئاسة الجمهورية، بتقييد الطلاق الشفوي، الأمر الذي أدّى إلى تعرض المؤسسة الدينية لهجوم وانتقادات من وسائل إعلام وكتاب، بعضهم محسوب على الحكومة.

 

ومن ضمن ما أورده البيان -الجمعة 17 فبراير- الحدة التي تناول بها مسألة الطلاق الشفوي، حيث قال: "المزايدة على الأزهر في قضية الطلاق الشفهي تجاوزٌ للحد، وأيضًا تجاوزٌ للحق.. كنا نتمنى من بعض المنتسبين للأزهر ألا يقحموا أنفسهم في القضايا الفقهية الشائكة، وأن يتركوا للمجامع والهيئات المتخصصة في الأزهر الشريف بيان الحكم الشرعي في هذه القضية، ولدينا وثائق علمية حتى لا يُزايد علينا في الصحف ولا في القنوات (التليفزيونية)".

 

الكلام لك يا جارة

وأضاف "الطيب"، "على العلماء أن يجتهدوا ويجددوا الأنظار فيما يتعلق بالأمور السياسية؛ كالديمقراطية؛ لأن كثيرًا من الجماعات والتيارات التي تملك أبواقًا تتحدث عن أن الديمقراطية ليست من الإسلام وأنها كفر".

 

وتابع "هل حقوق الإنسان الأوروبي هي النموذج الذي يجب أن يعمم على العالم، ويجب على المسلمين جميعًا أن يبيحوا الشذوذ الجنسي والإجهاض، أو هي حقوق الإنسان الشرقي المتدين بدينٍ له حقوق تختلف عما يدعيه أنصار حقوق الإنسان في الغرب، الذي أدار ظهره للدين منذ قرون"

 

وفي محاولة لاستعادة دور الأزهر، بيد من أفقده دوره بظهوره في منصة الإنقلاب الدموي، أشار الطيب للحملة التي ظهرت مؤخرا ضد المؤسسة الدينية الأبرز في مصر، قائلا إن الأزهر "لا يمكن لأحد أن ينال منه؛ لأن الأزهر بناه التاريخ، فلم تبنِه قناة ولا برنامج ولا أموال مدفوعة، فما بناه التاريخ لا يُهَدُّ أبدًا".

 

واعتبر مراقبون منهم موقع "روسيا اليوم"، أن "قرار الأزهر"، في إشارة إلى البيان الفائت، هو الثاني من نوعه، بعد رفضه الموافقة على خطبة الجمعة المكتوبة، التي تبنتها وزارة الأوقاف المصرية، وتراجعت عنها  فيما بعد، منذ أشهر قليلة.

 

طلاق بائن 

وتناولت مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية الخلافات المتصاعدة في الفترة الأخيرة بين مؤسسة الأزهر، وعبد الفتاح السيسي» في مقالٍ لها.

 

وقالت إن "القليل من المصريين فقط من يجرؤون على تحدي السيسي، رئيسهم المستبد، لكن مؤسسة واحدة تقف في وجهه، هي مؤسسة الأزهر.

 

واستشهدت المجلة بعبارة "تعبتني يا مولانا"، التي خاطب بها شيخ الأزهر "أحمد الطيب"، خلال الاحتفال بعيد الشرطة، يوم 24 يناير الماضي، كدليل على تصاعد الخلاف بين الرجلين.

 

وأضافت "لقد مر أكثر من عامين على تصريحات السيسي، والتي عبر خلالها عن أسفه من (تحول الفكر الإسلامي الشائع حاليا إلى مصدر للقتل والتدمير في العالم كله).

 

وآنذاك، طلب "السيسي" من علماء الأزهر سرعة الانتهاء من مشروع لتجديد الخطاب الديني "بحيث يكون تجديدا واعيا ومسؤولا يواجه التطرف والإرهاب"، معتبرا أن مصر في حاجة إلى ما أسماه بـ"ثورة دينية"، وأنه يتوجب على رجال الأزهر قيادة هذه الثورة.

 

وبحسب المجلة؛ قاوم الشيوخ – بقيادة "الطيب" – بشكل كبير خطط "السيسي"، وانتقد ذلك الكثيرون، ومن بينهم وزير الثقافة حلمي النمنم (المعروف بتوجهاته العلمانية)؛ إذ قال: "لم يطرأ تغير منذ دعوة الرئيس للتجديد".

 

ونقل "الخليج الجديد" ترجمة لمقال المجلة قائلا: على مدى تاريخه الطويل التي يعود تاريخها إلى ألف عامٍ مضت، يحظى الأزهر باستقلالية، إذ يدرب الأزهر كل عام الآلافً من الدعاة، بينما يدرس في معاهده وجامعاته عشرات الآلاف من الطلاب المصريين والعرب والأجانب.

 

عبدالناصر والسيسي

لكن الأزهر انغمس، أيضاً، في وحل السياسة في بعض الفترات، وغالباً ما كان موقفه محبطا لحكام مصر.

 

وأشارت ذي إيكونوميست، إلى أن جمال عبد الناصر، كبح جمال رجال الدين، عبر تأميم الأوقاف، ودفع ومن بعده خلفه أنور السادات، الأزهر إلى إصدار فتاوى تبرر ما اتخذاه من سياسات، وقد أضرّ ذلك بمصداقية  الأزهر، لكن دعم مكانته بوصفه المؤسسة الدينية الرئيسية في البلاد.

 

وأكدت "ذي ايكونوميست" أن "السيسي" استخدم الأزهر أيضا، فعندما أطاح الرجل بجماعة الإخوان المسلمين من الحكم عام 2013، كان "الطيب" إلى جانبه في المشهد.

 

التوجه الديني

وعلقت المجلة على الإجراءات التي اتخذها السيسي، للسيطرة على المسائل الدينية في مصر، وقالت "بينما كفل دستور 2014 مزيدًا من الاستقلالية للأزهر، لم يتوقف السيسي، منذ ذلك الوقت، عن محاولاته في السيطرة على المسائل الدينية في مصر.. إذ أغلق جوامع غير مرخصة ومنع دعاة غير مسجلين من الخطابة.

 

وأضافت أن "الحكومة" بدأت منذ العام 2015، في توحيد خطبة الجمعة؛ "في خطوة لقطع الطريق على التشدد وللترويج لسياسات الرئيس" وأن (إحدى الخطب وصفت توسعة قناة السويس بأنها هدية من الله).

 

لكن الأزهر عارض قرار توحيد خطبة الجمعة، كما يقول المقال، قائلاً إن خطباءه لا يحتاجون لإملاءات.

 

وعندما طالب السيسي بإلغاء الطلاق الشفهي، ما لم يجرِ تسجيله رسميًّا، عارضت «هيئة كبار العلماء» في الأزهر هذا الطلب، وأكدت أن «وقوع الطلاق الشفوي المستوفي أركانه وشروطه والصادر من الزوج عن أهلية وإرادة واعية وبالألفاظ الشرعية الدالة على الطلاق، هو ما استقرَّ عليه المسلمون منذ عهد النبي دونَ اشتراط إشهاد أو توثيق".

 

آراء متباينة

ولفتت المجلة إلى أنه في الوقت الذي يؤكد فيه الطيب أن الأزهر "منبر الوسطية والتسامح الإسلامي" يرى محللون ومنهم عمرو عزت، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أن الأزهر منقسمٌ على نفسه مثل بقية أطياف المجتمع المصري، فبعض الطلاب والدعاة في الأزهر سلفيون، وكثيرون منهم متعاطفون مع الإخوان المسلمين. ويتهم "عزت" الأزهر بأنه "غير حاسم في مواجهة التشدد الديني".

 

وقالت الايكونوميست إنه رغم ما يحتويه الأزهر من اختلافات داخل جدرانه، إلا أن الأزهر وقف بالمرصاد لمن هم خارجه، حيث رفع الأزهر عدة قضايا ضد أدباء وفنانين بتهمة الإلحاد، كان آخرهم "إسلام بحيري".

 

وصرح كمال حبيب، محلل سياسي وجهادي سابق، لـ"ذي إيكونوميست" مخاطباً السيسي: "أنت تطالب الأزهر بتجديد خطابه، بينما لا تجدد أنت من سياساتك. وليس هناك علاقة ميكانزيمية بين تجديد الخطاب الديني وتحسن أوضاع البلاد".

Facebook Comments