رجحت في تحليل جرى نشره أمس السبت أن يكون يوم 20 سبتمبر 2020 هادئا بلا مظاهرات أو احتجاجات، وهو السيناريو الذي رجحته على سيناريوهين آخرين، استنادا إلى تجارب سابقة؛ ذلك أن البعض لا يزال أسيرا لما جرى في 25 يناير 2011م حيث كان خروج الحشود بداية انهيار أجهزة  حسني مبارك الأمنية.

أكتب هذه السطور قبل انتهاء اليوم الذي ربما يشهد بعض المظاهرات القليلة لكني أرجح ألا يشهد أي احتجاجات؛ فالشعب لا يفضل الصدام المباشر مع أجهزة النظام القمعية لكنه قادر على المواجهة بالتدريج كما جرى في المظاهرات والاحتجاجات التي جرت في النصف الأول من سبتمبر الجاري في المنشية والمنيب والخانكة وغيرها حيث جرى التصدي لحملات إزالة المنازل وإجبار  أجهزة السيسي الأمنية على التراجع لأول مرة منذ انقلاب  3 يوليو 2013م؛  وهو تطور لافت يجب البناء عليه بعقلانية واتزان دون  اندفاع غير محسوب العواقب.

وتجربة مظاهرات 20 سبتمبر 2019م تعلمنا أنه رغم إحراج النظام والتأكيد على هشاشته وعدم القبول الشعبي به إلا أن قوى  الثورة تعرضت لحملات اعتقال وتنكيل طالت آلاف النشطاء حيث جرى اعتقال نحو 4 آلاف على أقل تقدير؛  وهو رقم كبير  يمكن أن يمثل فارقا عند اللحظة الفارقة وهي قادمة بشكل حتمي؛ وسياسات السيسي وأجهزته الأمنية تدفع نحو الانفجار الشعبي بنشاط ملحوظ وإصرار عجيب.

على الأرجح سوف تخرج الآلة  الإعلامية للنظام العسكري مساء اليوم لتدلس على الناس بالزعم أن عدم خروج الشعب للتظاهر  استجابة لدعوات المقاول محمد علي تمثل دليلا على رضا الشعب عن النظام وسياساته؛ بالطبع هم لن يذكروا أي شيء عن المقاول وسينسبون الدعوات لجماعة الإخوان رغم أن الجماعة لم تدع للتظاهر اليوم وإن كانت ترحب بأي دعوة من أي طرف من شأنها أن تستنزف النظام وتزيد من إرباكه وهشاشته.

وعادة ما يلعب نظام العسكر على  الوتر الحساس المتعلق بـ"الاستقرار" رغم أن الأوضاع شديدة السوء وتزداد سوءا كل يوم، كما يفسر ذلك عمليات التخويف المستمرة من جانب الجنرال للشعب فهم يعمل جاهدا على أن يبقى الشعب خائفا من المجهول أملا في إطالة حكمه وتكريس استبداده؛ لذلك يرفع النظام لافتة "الاستقرار الوهمي"  مخوفا الشعب باستمرار من الثورة ضد ظلمه وفشله وسوء إدارته رغم بشاعة الحياة في ظل حكم السيسي وتحولها إلى جحيم لا يطاق بسبب القمع والغلاء حتى بات حوالي 60 مليون مصر إما فقراء أو تحت خط الفقر وفقا لتقديرات البنك الدولي، وعشرات الملايين مهددون بهدم بيوتهم أو دفع إتاوات باهظة لا يقدرون على سدادها. كما يخوف الناس دائما من التغيير ويضرب لهم المثل  بسوريا والعراق دون النظر إلى النماذج الناجحة كتونس وتركيا أو حتى المغرب والأردن فضلا عن اليابان والمانيا والدول الأوروبية المتقدمة فلماذا دائما ما ينظرون إلى الأدنى ولا يتطلعون إلى الأفضل؟!

السيناريو الأكثر احتمالا هو توجه النظام خلال الشهور القليلة المقبلة نحو تهدئة بشأن ملف هدم البيوت وفق قانون التصالح في مخالفات البناء وذلك خوفا من تصاعد موجات الغضب الشعبي من جهة، والعمل على تمرير مسرحية انتخابات البرلمان من جهة أخرى. ورغم ذلك فإن كل المؤشرات تؤكد أن الصدام حتمي؛ فالسيسي يريد هذه الإتاوات الباهظة بشكل عاجل. وبالتالي إذا زاد سعاره وقرر هدم المزيد من منازل المواطنين فإنه سوف يواجه بطوفان شعبي لا يمكن احتواؤه. وإذا قرر إخماد هذه الفتنة التي أشعلها بقانونه الشاذ والتوقف عن نهب هذه الإتاوات الكبيرة؛ فإن يخشى من التداعي التلقائي لنظامه وعدم القدرة على توفير تكاليف الحكم.

في كل الأحوال خسر السيسي ونظامه، في معركة قانون التصالح مع مخالفات البناء، حتى لو جرى احتواؤها، وإن كان ذلك محل شك كبير؛ لأن السيسي يريد مئات المليارات ولا طريق له بعد تضخم الديون وتوقف الدعم الخليجي وزيادة الأسعار بشكل جنوني سوى فرض هذه الإتاوات الباهظة في مخالفات البناء؛ وإذا أصر السيسي على  عناده فإن الأمر مرشح للدخول في مرحلة من الفوضى العارمة، التي يمكن أن تفضي إلى تفكيك المنظومة الحاكمة.

هذه الفوضى توقعها المحلل والباحث في الشئون السياسية  «تيموثي كالداس» في ورقة بحثية نشرها معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في ديسمبر "2019"م، مشيرا إلى أن حالة الصلابة التي يبدو عليها نظام عبدالفتاح السيسي أمام مواطنيه تخفي في حقيقتها هشاشة يسعى النظام إلى التغطية عليها؛ والغريب أنه توقع أن  تتسبب هذه الصلابة المصطنعة  في سقوط النظام في مصر بصورة فوضوية للغاية. وتحت عنوان «استبداد السيسي الهش.. لماذا سيكون انهيار النظام في مصر فوضويا للغاية؟» يحذر "كالداس"  من رهان الدول الغربية على الاستقرار الظاهر لنظام السيسي الذي كرسه بوسائل وحشية.  ويقر أن قبضة السيسي على السلطة في هذا الوقت قوية للغاية، لكن الطريقة التي عزز بها هذه السلطة تجعلها أيضا هشة للغاية وحساسة للصدمات غير المتوقعة. ورغم أن النظام تمكن من إخماد الاحتجاجات التي خرجت استجابة لدعوة الفنان والمقاول محمد علي في سبتمبر 2019م، لكن "كالداس" أكد أن الأمر مسألة وقت حتى تندلع شرارة أخرى و جولة أكبر من الاحتجاجات التي لن يتمكن النظام من إخمادها بسهولة. وينتهى "كالداس" إلى أن الأكثر خطورة على مستقبل مصر هو عدم وجود آلية للانتقال السلمي للسلطة كما شوهد في تونس، وأن نصل السيسي الحاد الصلب ربما يكون قد أطاح بخصومه وركز السلطة في يديه، لكنه عندما يواجه تحديا أكثر صعوبة فقد لا يتراجع ولكنه ربما ينهار تماما؛ فالمخاطر المرتبطة بهشاشة النظام المصري كبيرة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها على حد سواء.

وبحسب الكاتب والمحلل السياسي عامر عبدالمنعم، «إذا استمرت السياسة الحالية متجاهلة مطالب المصريين وحاجاتهم الأساسية فإن الوصول إلى لحظة التمرد الجماهيري قريبة جدا، وأن ثمة نارا تحت الرماد،  وأن ما يتم ترويجه عن تحمل المصريين لفاتورة الإصلاح المزعوم مجرد ادعاءات غير حقيقية وأمنيات القائمين على الحكم، فلا صبر ولا تضحية وإنما صمت مفروض بالإكراه بأدوات التخويف والترهيب لتمرير إجراءات الإفقار بالقوة المسلحة. وأثبتت حركات الاحتجاج العفوي (الخبز في مارس 2017م، والمترو  في مايو 2017م) وحركات الاحتجاج السياسي (مايو 2016 ضد التنازل عن تيران وصنافير"، ثم سبتمبر 2019م) أن تأثير الجوع والمعاناة يقترب من تأثير التخويف، وكلما ضاقت الفجوة بين التأثيرين والوصول إلى درجة التعادل كلما اقترب المصريون من لحظة الانفجار الكبير وتصفية الحساب مع مجمل السياسات التي أوصلت مصر إلى حالة الانهيار التي يعيشها المجتمع المصري ويلمسها كل مواطن بنفسه. والذين يراهنون على أن البندقية ستظل دائما صاحبة القرار وأن القمع سيمنع الناس من التظاهر يخطئون في الحسابات؛ فالقوة الباطشة التي استخدمت ضد التيار الإسلامي ليكون أمثولة وعبرة لباقي الشعب يصعب استخدامها مع جمهور جائع يبحث عن قوت يومه وليس لديه ما يخسره.

Facebook Comments