عقدت إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي الفرعية المعنية بالشرق الأوسط، في 9 سبتمبر الجاري جلسة استماع عن أحدث توجهات أوضاع حقوق الإنسان والاقتصاد والسياسة في مصر، وقد شهدت الجلسة حضورا جيدا لأعضاء مجلس النواب، خصوصا في أوساط نواب الحزب الديمقراطي، ومشاركةٍ من عدد من أبرز الباحثين الأمريكيين المعنيين بمصر، وكذلك مشاركة ناشطين مصريين، وهما محمد سلطان ومدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان بهي الدين حسن.

وبحسب الباحث بالشأن المريطي، علاء بيومي، تكمن أهمية الجلسة فيما شهدته من نقاش جاد في الأوضاع السياسية في مصر، وواقع العلاقات المصرية الأميركية، وما وصلت إليه ومستقبلها..

انهيار صورة مصر الخارجية

وكشفت الجلسة عن مدى تردّي صورة مصر وأوضاعها السياسية داخل واشنطن، حيث بدا من شهادات مختلف الخبراء والناشطين مدى استيائهم من تردّي أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وانغلاق الأفق السياسي، وتوغل الجيش في الاقتصاد والسياسة، وكيف وصلت الأوضاع السياسية إلى تدهور وتردٍّ وصفته شهادات كثيرة بأنه "غير مسبوق".

وتحدث بهي الدين حسن، في شهادته، عن العلاقة بين النظام ونشطاء حقوق الإنسان، وكيف باتت تقوم على "العنف والإخفاء والاعتقال"، وكيف يتم ترقية ضباط متهمين بالتعذيب وإعلاميين مسؤولين عن تشويه سمعة نشطاء حقوق الإنسان وتهديدهم، وكيف اضطر للخروج من مصر خوفا على حياته، بعد أن وصلت إليه تهديدات بالقتل. ثم الحكم عليه مؤخرا غيابيا بالسجن 15 عاما.

كما تحدّث محمد سلطان عن ظروف اعتقاله، واعتقال آلاف في سجون لا تصلح لحياة الحيوانات، وعن آثار التعذيب التي ما زالت ظاهرة على جسده، وعن الانتقام من أقاربه في مصر واعتقال بعضهم، بسبب القضية التي رفعها ضد رئيس وزراء الانقلاب الأسبق حازم الببلاوي.

مليارات العاصمة 

أما الباحثة ميشيل دن، كبيرة الباحثين في مركز كارنيجي، فقد تحدثت عن المليارات التي أنفقها نظام الانقلاب خلال السنوات الأخيرة على مشروع العاصمة الإدارية الجديدة وشراء الأسلحة، في الوقت الذي يستدين فيه باستمرار من الخارج. حيث ذكرت الباحثة أن النظام أنفق 9 مليارات دولار على العاصمة الجديدة حتى ربيع عام 2019، كما أنفق 9 مليارات دولار أخرى على استيراد الأسلحة من 2015 إلى 2019 . بالإضافة إلى الأسلحة التي يحصل عليها من أمريكا  (بقيمة 1.3 مليار دولار سنويا). في وقتٍ اقترضت فيه مصر 20 مليار دولار من صندوق النقد الدولي وحده منذ 2016.

قتل النشطاء
كما شهدت العلاقة بين النظام ونشطاء حقوق الإنسان، انهيار كبيرا ، وباتت تقوم على "العنف والإخفاء والاعتقال"
ولم تتضمّن الشهادات، أو أسئلة أعضاء الكونجرس وتعليقاتهم، تعاطفا يذكر مع نظام الانقلاب في مصر، أو حديثا عن إصلاحات وهمية أو تدريجية، يقوم بها النظام كما كان في عهد حسني مبارك، لذا كشفت الجلسة بوضوح عن مدى الانقطاع والتردّي الذي تعانيه صورة مصر وسمعتها في واشنطن في عهد السيسي.
على صعيد آخر، تبدو العلاقات المصرية الأمريكية مرشّحة للتغيير في الفترة المقبلة، خصوصا لو صعدت إلى الحكم إدارات ديمقراطية، فصورة مصر في واشنطن سيئة للغاية، وقيمة مصر بالنسبة للولايات المتحدة في المنطقة في تراجع، واهتمام أمريكا نفسه بالمنطقة في تراجع، وهناك صعود واضح لتوجه ديمقراطي حقوقي في أوساط الحزب الديمقراطي، والذي يسيطر على مجلس النواب الأمريكي حاليا.
ولا يعني هذا خروج سياسة أمريكا تجاه مصر من تناقضها الرئيسي، المتعلق بالدوران في فلك حماية إسرائيل، وضمان أمن الديكتاتوريات العربية، سريعا. إنما يعني دخول السياسة الأمريكية تجاه مصر مرحلةً من إعادة التقييم، تهيمن عليها النظرة السلبية تجاه مصر ومحاولة التخلص من التبعات السلبية للعلاقة معها، وهي مرحلةٌ بدأت بالفعل.
وياتي ذلك في وقت تتسارع موجات الحراك السياسي المناهض للسيسي ونظامه…وهو ما يؤشر إلى احتمالات ضغوط جديدة على نظام الانقلاب بمصر، وهو ما تسعى المخابرات التي تتسم بشيء من العقلانية لتعويم السيسي بتحركات وقرارات للتهدئة السياسية والاقتصادية.

Facebook Comments