كما حرّر القرآن العقل من سلطان الآباء وسلطان الكبراء، حرّره كذلك من سلطان الأساتذة والشيوخ، الذين استعبدوا عقله، وجعلوه ذيلا لهم، يفكّر بتفكيرهم، ويتكلم إذا نطقوا، ويصمت إذا سكتوا، ويؤمن إذا آمنوا، ويكفر إذا كفروا.

والعقل لا يوجد ولا يعمل إلا إذا كان حرّا مستقلا، أما إذا فُرضت عليه وصاية من الخارج، فإنه يصبح معطّلا، لا عمل له، ولا جُهد له، ولذا كان التقليد هو آفة العقل الأولى، ولهذا حاربه الإسلام، وقاومه علماء المسلمين الأحرار، ورفضوا أن يكون العقل تابعا لأي مخلوق غير صاحبه المؤمن بالله ورسوله، ولا يجوز له أن يتبع مخلوقا من المخاليق، يصدقه فيما صدق به، ويكذبه فيما كذب به.

قال ابن الجوزي: اعلم أن المقلّد على غير ثقة فيما قلّد فيه، وفى التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنه إنما خُلق للتأمّل والتدبّر، وقبيح بمن أُعْطِى شمعة يستضِيء بِهَا أن يطفئها ويمشي في الظلمة”.

إن شيخَ الإنسانِ ومعلمَه يجب أن يكون بمثابة حامل المصباح، عندما يُظلم الطريقُ عليه يُخرج له مصباحه، ويضيئه له، لينير الطريق، فيعرف يمينه من شماله، وأمامه من خلفه، ويسير على هدًى، وليس مهمة الشيخ والمعلم أن يحمل التلميذ على كتفه، ويمشي به حيث يريد هو، فليست هذه أستاذيّة، ولا هذه تلمذة.

من كتاب (موقف الإسلام من العلم والعقل )

Facebook Comments