خبرٌ صغيرٌ متوارٍ نُشر أول أمس، عن سماح "الداخلية" لأحد قيادات "جبهة الإنقاذ" بالخروج من محبسه فى "طرة" لحضور جنازة والدته، استدعى فضولى لمراجعة التعليقات عليه؛ فوجدت مِنَ المعلقين أصحاب ذاكرة قوية لم تنس ما فعله الرجل ورفقاؤه فى تلك الجبهة وغيرها ممن عُرفوا بمسمى "القوى المدنية".

والمؤكد أنه لولا هؤلاء ما كان انقلاب عسكرى، فهم واجهته ورأس حربته والمشرِّع لجرائمه، وإن شئنا قلنا إن الانقلاب انقلابان؛ مدنى وعسكرى، وأن المؤامرة بدأت من الشق المدنى، من أولئك الذين يتشدقون بقيم الحرية والإنسانية والمواطنة وهم أول من كفر بها، وهؤلاء يجمعهم رابط واحد هو "كره الإسلام"؛ من أجل ذلك داسوا على معتقداتهم ومبادئهم بل ضمائرهم فى سبيل الكيد لتياره، وإفشاله فى الحكم، وإذا كانت الغاية عندهم تبرر الوسيلة فقد استحلُّوا العنف والإرهاب، وكذبوا ودلَّسوا، وقبلوا التمويل الخارجى وتدخل الأجنبى، وحالفوا العسكر، ودفعوا الوطن فى أتون الفتنة.

لقد رفضوا نتائج الانتخابات والاستفتاءات وخيارات الشعب؛ لأنها جاءت لصالح الإسلاميين، بل طالب بعضهم –وكنا لا نزال فى أجواء الحرية والديمقراطية- بالزج بالإسلاميين فى السجون والمعتقلات، ورغم دعوة الرئيس "د. مرسى" لهم للاجتماع حول مائدة الحوار فإنهم رفضوا ذلك واكتفوا بتجريح سياسته وشخصه، ثم دعاهم مرة ثانية عقب انتهاء المرحلة الانتقالية والاستفتاء على الدستور، إلا أن دعوته قُوبلت بالرفض أيضًا، وأعلنوا إصرارهم على إسقاط الدستور الذى أقره الشعب، وإسقاط الرئيس المنتخب، وذلك بالدعوة إلى الفوضى والتخريب.

لقد سيَّروا (21) مليونية ضد الرئيس خلال تسعة أشهر من حكمه، بدأت أولاها بعد شهرين اثنين من توليه السلطة (الجمعة؛ 24/8/2012م) وكانت بعنوان "إسقاط مرسى"، وليتهم اكتفوا بالمليونيات والتظاهر المشروع، إنما لجئوا إلى العنف الذى لم تشهده مصر فى تاريخها، استحلُّوا به الدماء البريئة والممتلكات الخاصة، واعتدوا على النساء والشيوخ والأطفال. 

وإذا كان كثيرون منهم الآن لا يجرؤون على نقد النظام الفاشى، مجرد نقد، رغم وجودهم خارج البلاد، أى فى مأمن من الإيذاء والملاحقة، أمثال: باسم يوسف، خالد يوسف، بلال فضل، عمرو حمزاوى، البرادعى وغيرهم –فإنهم اجتمعوا على اختلاف توجهاتهم؛ الناصرى والنصرانى والشيوعى والاشتراكى والليبرالى والعلمانى، كملَّةٍ واحدة، لـ"حرب مرسى وجماعته"، ولم يمهلوه سوى شهرين اثنين قبل أن يتنادوا بالفوضى والخراب.

بدءًا من أغسطس 2013م بدأت تلك الفوضى بالتحريض على الإضرابات والمطالب الفئوية والتى علَّقت الأعمال وعطلت المصالح وأغلقت الطرق، ثم بدأ العنف فى الظهور، فلم تنته السنة حتى سقط شهداء ومصابون، وحتى صار قادة هذه الجبهة الملعونة –وكان الرجل الذى خرج لدفن أمه متحدثهم الرسمى- كزعماء "المافيا" يوجهون بالقتل وهم يدخنون السيجار، فعطلوا "المترو" عشرات المرات، وكذلك قطارات السكك الحديدية، وقطعوا الطرق، واحتلوا الجسور، وقتلوا (10) من الإخوان المسلمين وأصابوا (1500) أمام الاتحادية (يوم الأربعاء؛ 5/12/2012م) فى محاولة اقتحام القصر وقتل الرئيس، وبعدها بيومين (الجمعة؛ 7/12/2012م) قتلوا (6) آخرين، وقبلها حرقوا مقار الجماعة والحزب فى الإسماعيلية والسويس والمنوفية ودمياط، ونهبوا المركز العام (الخميس؛ 6/12/2013م)، ثم اقتحموه مرة ثانية (السبت؛ 16/3/2013م)، ثم نهبوه ودمروه فى المرة الثالثة (السبت؛ 6/7/2013م)، ولم يأت الانقلاب إلا وقد أحرقوا كافة مقار الحزب والجماعة وما نتج عن ذلك من تدمير وخراب وإزهاق أرواح ونهب ممتلكات.

إن كل نقطة دم أُريقت وكل مظلمة وقعت كأثر للانقلاب، على أعضاء تلك الجبهة وقادتها كفلٌ منها، يتحملون كل هذا لأنهم هم الذين استنّوا هذه الجرائم وخططوا لها وحرضوا عليها ومولوها.
إن حزب الدستور "البرادعى"، والتيار الشعبى "صباحى"، والمؤتمر "عمرو موسى"، والبلاك بلوك "النصارى"، والاشتراكيين الثوريين، و6 أبريل وغيرهم –هم من قتلوا وحرقوا وسرقوا وأشعلوا الفتنة، وهم من خطفوا القيادات وأهانوهم [خطفوا الأستاذ صبحى صالح وحاولوا قتله بوضعه على شريط القطار لولا شهامة بعض الشباب الذين تدخلوا لإنقاذه]، وهم من استدعوا العسكر، وجاهدوا لإفشال الإخوان ولو بإماتة ضمائرهم وبيع ذممهم..

لقد قامت حركة "6 أبريل"، (يوم الثلاثاء؛ 30/4/2013م) بتجميع القمامة فى سيارات نقل كبيرة من خارج مدينة "بنى سويف"، ثم ألقوها أمام ديوان عام المحافظة. وهذا مثل يدل على أن هؤلاء الناس خارج إطار الرجولة والإنسانية، ومن ثم وجب على كل محب للحق أن يحفظ جرائمهم فلا يدعها تتفلت من الذاكرة، فإنها جرائم لا تسقط بالتقادم، وإن يوم الحق آت آت.

Facebook Comments