صدق أو لا تصدق عزيزي القارئ، الحكومة المصرية تفرض ضرائب على الدعارة والمخدرات والسلاح والدروس الخصوصية!!!.

الخبر لم تصطنعه وسائل إعلام معارضة للنظام بل ورد على لسان مسؤول رسمي كبير (رئيس الإدارة المركزية بمكتب رئيس مصلحة الضرائب) وكان في شكل تصريح تلفزيوني للقناة الفضائية المصرية الأولى (التلفزيون الرسمي للدولة)، وتبارت الصحف والمواقع الخبرية الداعمة للنظام في نقله بكل فخر!!.

هذه الأنواع من "البزنس" مجرمة قانونا في مصر، وبالتالي فإن التعامل معها يتم في الإطار القانوني المختص بذلك، ويعد ممارس هذه الأنواع من التجارة مجرما يعاقب وفقا للقانون الجنائي، وتصادر بضاعته سواء كانت أسلحة أو مخدرات، وتغلق أماكن الجريمة سواء كانت بيوت دعارة أو حتى مقار دروس خصوصية (وإن جرى التساهل مجتمعيا بشكل عام مع هذه الأخيرة نتيجة للاحتياج العام لها مع تراجع العملية التعليمية في المدارس).

بدلا من الحديث عن ملاحقة هذه الجرائم والمتورطين فيها فإن المسؤول الكبير بمصلحة الضرائب المصرية يعتبرهم في حديثه التلفزيوني ممولين للضرائب مثلهم مثل أي ممولين أخرين يمارسون تجارة مشروعة أو يمتهنون مهنا مدرة لدخول كبيرة، وبكل شجاعة يعلن المسؤول الرسمي المصري أنه في حال اعتراف تاجر المخدرات أنه يزاول هذا النشاط منذ مدة زمنية محددة يتم أخذ ضريبة منه على هذه المدة، ليس هذا فقط ولكن حسب تصريحات المسؤول فإن مصلحة الضرائب تجري مناقشة مع تجار المخدرات لتعرف حجم تجارته ومقدار مكسبه ليتم تحديد قيمة الضريبة بناء على ذلك!! ..لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله.

لم يذكر المسؤول الحكومي تفاصيل تقدير ضرائب الدعارة وكيف سيتم احتسابها أسوة بحديثه عن تفاصيل تجارة المخدرات، كما لم يتحدث عن تفاصيل تقدير الضرائب على تجارة السلاح أو الدروس الخصوصية، وإن كان المفهوم أن الحكومة لن تعدم حيلة في احتساب تلك الضرائب، فالمعروف مثلا أن مندوبين من إدارة الضرائب على الملاهي يرابطون في صالات القمار لتحصيل الضريبة المقررة عليها، وبالتالي فالأرجح أن تخصص مصلحة الضرائب مندوبين لبيوت الدعارة (رغم أنها محظورة قانونيا) لكنني بكل صراحة لا زلت عاجزا عن كيفية احتساب ضرائب تجارة السلاح غير المشروع ( لأن السلاح المشروع الذي يباع بشكل قانوني في المحلات المخصصة لذلك خاضع بالفعل للضرائب)، كما أنني لا زلت عاجزا رغم الشرح التفصيلي عن استيعاب إمكانية تحصيل ضرائب من تجار المخدرات الذين ينكرون هذه التجارة حتى في حال ضبطهم متلبسين.

دعنا من التعقيدات الفنية ولندخل إلى صلب القضية وهو بحث النظام عن أموال من أي مكان وبأي طريقة حتى لو كانت غير مشروعة، وهو ما يؤكد أننا أمام عصابة وليس حكما شرعيا قانونيا يراعي الدستور والقانون، فرأس النظام عبد الفتاح السيسي يحلم في ليله وصباحه بالأموال، وقد عبر عن أمنياته أن يستطيع توفير مائة مليار دولار (ويركنها على جنب) وقد أسس صندوق تحيا مصر الذي فرض من خلاله إتاوات على رجال الأعمال بالإكراه، رغم تعثر مشاريعهم وتعثر الحالة الاقتصادية في البلاد بشكل عام، كما أنشأ صندوق مصر السيادي وهو بمثابة "مغارة علي بابا"، حيث لا يخضع لأي عمليات رقابة مالية أو برلمانية حسب قانون تأسيسه ( وهو قانون مخالف للدستور بطبيعة الحال لكن هذه المخالفة للدستور ليست الأولى ولن تكون الأخيرة فقد كتب الدستور بحسن نية، والدول لا تبنى على حسن النوايا كما قال السيسي!!).

لم تكن الضرائب السابقة على المخدرات والدعارة والسلاح هي الوحيدة التي لجأ إليها النظام لملء صناديقه النهمة للأموال، بل إنه فرض عبر قوانين وقرارات جديدة العديد من الرسوم والضرائب الجديدة التي تثقل كاهل المواطنين ولم تراع الظروف التي تمر بها مصر في ظل جائحة الكورونا.

خذ عندك مثلا قرار مجلس الوزراء بخصم 1% من صافي دخل العاملين في كل قطاعات الدولة سواء كانت عمالة ثابتة أو مؤقتة، ونسبة نصف بالمائة من أصحاب المعاشات التقاعدية.

وخذ مثلا في زيادة فاتورة الكهرباء بمقدار 19%، ويضاف إلى ذلك الرسوم الجديدة لرخص القيادة وعلى أجهزة راديو السيارات، وعقود اللاعبين الرياضيين، والأجهزة الفنية، وتراخيص الشركات الرياضية، وأجهزة المحمول والاكسسوارات، والرسوم الجديدة على البنزين بأنواعه بواقع 30 قرشا على كل لتر، ومنتج السولار بواقع 25 قرشا على كل لتر، ناهيك عن زيادة أسعار التبغ الخام، وفضلاته، وكذا التبغ المصنع، ولا يزال البحث جاريا عن مصادر جديدة للضرائب ومن ذلك التجارة الالكترونية التي تفكر الحكومة حاليا في الوصول إلى آلية لتحصيل الضرائب عنها، لكن المشكلة التي تواجهها هي أن الكثيرين ممن يعملون في هذا النشاط يقيمون خارج مصر ولا تستطيع الحكومة الوصول إليهم.

هذا السعار على أموال المصريين يكشف قناعة النظام الحاكم (الخاطئة) بامتلاك المصريين لثروات، وأن مهمة النظام هي شفط هذه الثروات، وقد طالب السيسي قبل عامين وزير البترول أن يرفع سعر البنزين دون قلق بعد اكتشافه أن المصريين لديهم أموال ينفقونها على "رقصات الكيكي" مع السيارات.

يحاول السيسي وأذرعه تصدير مشاهد الطبقة العليا في المجتمع للتدليل على وجود الأموال متجاهلا عن عمد أن ثلث الشعب المصري تحت خط الفقر وهناك نسبة مماثلة تقترب من ذلك الخط وفقا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وأن متوسط دخل الفرد الحقيقي (محتسبا بالدولار) تراجع بمعدل 16% بين عامي 2015-2018 (البيان الرسمي يدعي زيادته محتسبا إياه بالجنيه المصري)، أما الديون فحدث ولا حرج حيث تبلغ حصة كل مواطن مصري من هذا الدين بمن في ذلك الطفل المولود لتوه أكثر من 1200 دولار.

للسيسي تعبير شهير "هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه أو يرفق به"، وها هو يطبق سياسة الرفق والحنو بطريقته الخاصة، ولينتظر المصريون مزيدا من الرفق والحنو طالما استمر الجنرال في موقعه.

نقلاً عن "عربي21"

Facebook Comments