كم «حاطبًا» بيننا الآن؟!

- ‎فيمقالات

 

بقلم: عامر شماخ

 

أما حاطب الأول، فهو ابن أبى بلتعة الذى نزل فيه صدر سورة الممتحنة، وكان من شأنه: أنه لما أراد النبى صلى الله عليه وسلم فتح مكة تكتم هذا الأمر؛ كى يباغت أهلها، غير أن حاطبًا -ولم يكن له ظهر وعشيرة فى مكة مثل باقى المهاجرين- أراد أن تكون له يدٌ عند قريش يحمون بها أهله، فكتب إليهم رسالة بما ينوى النبى صلى الله عليه وسلم ، وأرسلها مع امرأة كانت فى طريقها إلى مكة.

 

فلما أوحى الله -عز وجل- إلى نبيه بما فعل حاطب، أرسل صلى الله عليه وسلم عليًا فى طلب المرأة، وقد أخرج -بالفعل- الرسالة من شعرها، وكان هذا كافيًا لاستحلال دم حاطب، غير أن النبى صلى الله عليه وسلم كف أيدى وألسنة الصحابة عنه، مذكرًا إياهم بسابقته وفضله، وأنه من أهل بدر، قال صلى الله عليه وسلم: «لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال اذهبوا فقد غفرت لكم».. ثم نزلت سورة الممتحنة تحذر من هذا المسلك الذى سلكه حاطب، وتنبه المؤمنين إلى خطورة موالاة الكفار وخصوم الدعوة من أجل عرض دنيوى زائل، وتذكرهم بما فعل هؤلاء القوم من إيذاء الله ورسوله وعامة المؤمنين.

 

والناظر إلى واقعنا اليوم يجد ألف حاطب بيننا، متذرعين بشتى الأعذار، فذلك رجل يرسل رسالة إلى خصوم الدعوة وقاتلى قادتها وأبنائها ومغتصبى حرائرها، أشبه برسالة حاطب، هدفها الحفاظ على مصالحه ودفع الضرر عن نفسه، لكنها أبشع من رسالة حاطب كون صاحبها ينشرها على الملأ، فى الفضائيات أو على (الفيس) يلمز ويغمز ويحذر من المسلمين الموحدين، والطبيعى أن يدخل هذا الرجل وأشباهه فى عداد المنافقين -وهم فى الدرك الأسفل من النار- لكن سابقتهم تجعلنا نتردد فى وصمهم بتلك الصفة، فقد كانت لهم فى أيام خلت أياد بيضاء على الدعوة، واليوم يسرون إلى هؤلاء اللدودين بالمودة، والله أعلم بما يخفون وما يعلنون.

 

هاتفنى ذلك الأخ الذى أحبه، بعد الانقلاب بشهور، فكأنى أسمع شخصًا آخر رُكِّب فيه صوت هذا الأخ؛ سباب فى الإخوان، وشتائم فى مرسى -والأخ طامعٌ فى سعة صدرى ويعلم حبى له، ثم إنى جادلته فوجدت صدودًا غريبًا، وأحسست كأنما يريد أن يبعث رسالة لطرف آخر يستمع إلينا من خلال هذه المكالمة: أن ليس له صلة من قريب أو بعيد بالجماعة، بل يريد أن يثبت أنه ناقم على قادتها أشد النقمة، وهذا الأخ -للأسف- كان يومًا ما مسئولا طلابيًا بارزًا.. وقد قادنى الفضول -لما عدت إلى البيت- لأن أبحث فى حسابه على (الفيس)، فوجدت عجبًا؛ تمجيدًا بقائد الانقلاب لا يليق إلا بالمولى -جل وعلا- وشتائم قبيحة للإخوان لا أظننى سمعتها من قبل، قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، وسألت الله الحفظ والثبات.

 

ورجل آخر يحاول بشتى الطرق قطع صلته بالجماعة، ولو على حساب دينه؛ حفاظًا على مكاسبه الدنيوية، ولئلا يذوق مرارة السجن أو يتم التحفظ على أمواله، ولا يدرى المسكين أن لكل أجل كتابًا، وأنه لو اجتمعت الأمة على أن ينفعوه أو يضروه بشىء لن يكون إلا أن يأذن الله، وأن ما يفعل من ضرر لدعوته ولدينه سوف يعود عليه شخصيًا بالخسران، فضلا عما ينتظره من عقاب أخروى أليم.

 

ذكر الأستاذ صلاح شادى فى كتابه (صفحات من التاريخ) أن أخًا كان يعمل موجهًا بالمنصورة، وكان مشهودًا له بالصلاح، غير أنه لم يحتمل الفتنة، وأراد أن يثبت للجهات السيادية أنه بعيد كل البعد عن الإخوان، وكان قد تم نقله إلى إحدى محافظات الصعيد.. قال الأستاذ شادى: ذهب إلى نادى المعلمين فى عاصمة هذه المحافظة، واشترى زجاجة خمر، وجلس يتجرعها عصرًا على أعين الناس.. ولم يكن له إلا ما كُتب له، وبقى عند الله مذمومًا؛ إذ مات على تلك الحال، نسأل الله العافية. وحكى لى الأستاذ عبد المنعم سليم جبارة -رحمه الله- أن أخًا من حدائق القبة لم تطل به الفتنة عام 1954 حتى أعلن خروجه من الإسلام، ووضع صليبًا على يده؛ إمعانًا فى الإنكار والتخفى، لكن يشاء الله أن يشارك الإخوان سجنهم فى عام 1965، بعدما صدر أمر الهالك (اعتقال كل من سبق اعتقاله)، فلم يشفع له صليبه وما فعل بنفسه، لكن من لطف الله بهذا الأخ أنه عاش بين إخوانه بعد القبض عليه، فرده الله إليه مردًا جميلا، وندم على ما فعل، وعاش بقية حياته واحدًا من أكارم الإخوان.

 

إذًا هى الدنيا التى فتنت البدرى (حاطبًا) وسودت وجهه أمام أصحاب النبى، وجعلته عبرة لمن بعده، بعدما نسى (وللآخرة خير وأبقى)، وهو أيضًاالخوف مما لا خوف عليه من نفس ومال وأهل وعشيرة إذا اتقينا الله واحتسبنا ما نفعل له.. لكنه قصور العقل وغياب الفهم اللذان يوردان المهالك، والمؤمن يدرك أنه لا ينجو حذر من قدر الله، وأن الهلكة عينها فى الامتناع عن نصرة الدين والبذل فى سبيل الحق، وأن يومًا يجر يومًا ثم تتبدل الأحوال، والعزيز من حفظ نفسه من الوقوع فى مثل هذه الدنايا، والذليل من استعجل القطف، وأوكل نفسه إلى نفسه، فحرم رحمة الله، والحمق -كل الحمق- أن تُحرم رحمة ربك التى وسعت كل شىء.. نسأل الله الثبات.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها