الرئيس التونسي الجديد قيس سعيد، الذى أدى اليمين الدستورية اليوم وتولى مهام منصبه رسميًا، تتطلع دوائر السياسة الخارجية فى العالم إلى التعرف عليه وعلى السياسات والبرامج التى سيتبناها فى الفترة المقبلة، سواء على الصعيد الداخلى فى تونس أو على الصعيد الخارجي.
وربما يتوقف صناع القرار فى أمريكا وأوروبا عند بعض التصريحات التى صدرت عن “سعيد” سواء أثناء حملته الانتخابية التى رفعت شعار “الشعب يريد”، أو حتى قبل ترشحه لانتخابات الرئاسة، ومنها “التطبيع مع إسرائيل خيانة”، على عكس التيار السائد فى الشرق الأوسط، حيث يتسابق حكام العرب من أجل نيل رضا الصهاينة وتقديم كل ما يستطيعون من خدمات من أجل تأبيد سلطانهم وكراسيهم، وأيضا إعلانه عن دعم الربيع العربى، والذى اختار النظام الدولى الانقلاب عليه، ودعم نظام العسكر الدموى بقيادة عبد الفتاح السيسي على أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي .
ومن المؤكد أن مثل هذه التصريحات ستؤدى إلى اشتباكات ومواجهات لا تنتهى مع سعيد، خاصة من جانب عملاء الصهاينة فى المنطقة، وعلى رأسهم عميل إسرائيل عبد الفتاح السيسي ومحمد بن سلمان ولى العهد السعودى، كما أن اللوبى الصهيونى فى دول العالم سيأخذ على عاتقه مهمة الترصد للرئيس التونسي الجديد وتحريض العالم ضده، وربما توجه له اتهامات بأنه متطرف إسلامى ويعلن أن قدوته فى الحكم والنموذج الذى يتمنى السير على خطاه هو الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضى الله عنه .
مواقف أخلاقية
وتحمل تصريحات سعيد- الذى بدأ ظهوره في الحياة السياسية العامة بعد الثورة التونسية عام 2011، إذ كان يحل ضيفا على عدد من البرامج التلفزيونية والحوارات الصحفية كخبير دستوري وقانوني- عدة مواقف أخلاقية، تجلت طوال فترة الحملة الانتخابية. فهو يدعم في تصريحاته الثورة، ويؤكد نزاهة إدارته للحملة، وانحيازه للمواطنين، وزهده في المميزات التي يحملها المنصب الذي يسعى إليه. بالإضافة إلى التزامه الكتابة باللغة العربية، وتمسكه بالصياغة السليمة.
ويثير عدد من مواقف سعيد دهشة البعض، من ذلك قراره بعدم المشاركة في حملته في الجولة الثانية للانتخابات لدواعٍ أخلاقية، وضمانا لتجنب الغموض حول تكافؤ الفرص. ويرجع ذلك إلى أن منافسه، نبيل القروي، كان في السجن قيد المحاكمة في قضايا فساد.
وكرر سعيد في جولاته ولقاءاته المختلفة حرصه على تمكين الشعب التونسي، وأن تتحول سيادة القانون من الدولة إلى المجتمع، “حيث يستبطن الفرد احترام القانون ولا يكون مُجبَرا على طاعته” كما جاء في إحدى تغريداته.
ويتبنى خطابا ونهجا تقشفيا كما فعل في إدارة حملته، فلم يلجأ إلى نشر الملصقات الدعائية المبهرة في البلاد كحال مرشحين آخرين. واعتمد بشكل كبير على المتطوعين من مؤيديه، حتى إنه رفض الدعم المالي الذي تقدمه الحكومة للمرشحين لتمويل حملاتهم.
وفى هذا الإطار، يقول سعيد في واحدة من تغريداته: إنه حال فوزه سيؤدي عمله ويعود إلى منزله كأي موظف. وإنه سيتخلى عن مظاهر الترف والمواكب والامتيازات التي يحصل عليها رئيس الجمهورية، داعيا إلى التخلص من مظاهر الترف والامتيازات التي يحصل عليها نواب البرلمان ومسئولو الحكومة.
![]()
الحياد
ويلتزم سعيد الحياد تجاه كل الأطياف والتوجهات السياسية في تونس، يشمل ذلك الحياد رجال النظام السابق، فقد عرض خلال حملته الانتخابية التصالح عن طريق المحكمة مع 460 من رجال الأعمال المتهمين بالفساد، واستغلال هذا التصالح لتطوير المناطق الأشد فقرا في تونس.
وتقوم الفكرة على أساس ترتيب رجال الأعمال من الأشد إلى الأقل فسادا، وترتيب المناطق من الأشد إلى الأقل فقرا، بحيث يتولى الأكثر فسادا تطوير المنطقة الأقل فقرا.
وربما لا تكون السياسة الخارجية التي يتبناها سعيد على نفس درجة حياد سياسته الداخلية. فقد أعلن صراحة عن دعمه للربيع العربي، وإيمانه بأهمية وحدة دول المغرب العربي. وقال إن أول زيارة خارجية ستكون إلى الجزائر.
ويتحدث صراحة عن أهمية الدور العربي وجامعة الدول العربية، التي يعتبرها كيانا له “حصانة من الموت ومناعة ضد التقدم”.
في المقابل، يعتبر الاتحاد الأوروبي كيانا بلا أفضلية، يتساوى مع بلاده في الاحتياج والمصالح المشتركة. ويرفض أن يكون للتدخل الأجنبي دور في توجيه خيارات الشعب.
ويهاجم صراحة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ويعتبر قضية فلسطين محورية بالنسبة لتونس ودول المنطقة كلها، وموقفه من فلسطين لا يمكن إغفاله أو تفسيره بأي صورة غير الدعم الكامل للقضية الفلسطينية، فهو يعتبر التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي خيانة عظمى. وفي مناظرته مع منافسه القروي، أعلن أنه لا يقبل كلمة التطبيع، لا شكلًا ولا موضوعًا؛ لأن الكلمة في رأيه خاطئة، إذ أن الطبيعي أن تكون إسرائيل عدوًا والتعامل معها خيانة.
ورغم أنه يعتبر فلسطين قضيةً محورية لتونس وللمنطقة العربية، فإنه يرفض التدخل في أي صراع آخر يدور في المنطقة مثل اليمن، ليبيا، وسوريا.
![]()
عمر بن الخطاب
ويرى البعض أن سعيد يلتزم نهجا محافظا، يتمسك فيه بالمرجعية الدينية. ودللوا على ذلك برفضه للمساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، وهو القانون الذي قدمه الرئيس الراحل باجي قائد السبسي.
وأشار آخرون إلى تغريدة عبر فيها عن إعجابه بعمر بن الخطاب، واعتبروا ذلك دليلا على تمسكه بميول إسلامية قد تنفر من التوجهات الليبرالية أو اليسارية.
وبمجرد ترشح سعيد للرئاسة وقراره خوض المعركة الانتخابية، تحت شعار الشعب يريد، استقبل الشعب التونسي الشعار وصاحبه بترحاب شديد ومنحوه لقب رجل «الصرامة والنظافة». فهو ابن الطبقة المتوسطة مثلهم، أبوه موظف وأمه ربة منزل، يخبرهم أنه خاض الانتخابات مُكرهًا، وأنّه غير مدعوم من أي حزب لأن زمن الأحزاب أفلس وولى.
يبهرهم بإتقانه للغة العربية وما يتبعها من مواقف محافظة من الأحداث المحلية والدولية. ظهور زوجته برفقته في الأيام الأخيرة مرتديةً ملابس عصرية وبشعرٍ قصيرٍ أضاع على منافسيه فرصة اتهامه بالتطرف الفكري أو التشدد الإسلامي، يلقبه أنصاره بالأستاذ احترامًا له، غير أنّه لم يحصل على الدكتوراه، ويروي طلبته عنه أنّه يخلص للصورة التقليدية للأستاذ الجامعي، وأنه صارم ومستقيم ونادرًا ما يبتسم.
رجل غامض
صرامته الشديدة جعلت منه رجلًا غامضًا لا تتوفر حوله الكثير من المعلومات، ولا تظهر له الكثير من المواقف السياسية. إلا أن شعاره يتسق مع العديد من مقاطع الفيديو التي غزت وسائل التواصل الاجتماعي منذ أعلن ترشحه، في تلك المقاطع يدافع الرجل بشراسة عن ضرورة أن يكون القرار لا مركزيّا، وأن تتوزع السلطة على الجهات المختلفة، فهو يدعو بتعين مجالس جهوية، ثم تختار تلك المجالس ممثلين لها، ليتواصل الممثلون مع السلطة الحاكمة لضمان وصول صوت المواطن العادي لأعلى منصب سياديّ في البلاد.
يقول سعيد: أنا لا أبيع الوهم للشعب التونسي، برنامجي الذي أعلنته واضحًا، الشعب هو مصدر السلطات، والدستور يجب أن يكون قاعديًا ولا توجد ما تسمى دولة مدنية ولا دينية.
المُتداول عنه أنه مُحافظ، غير أنّه لم يصنف نفسه ولم يستطع أحد أنه يحصره في خانة المُحافظ الإسلامي أو اليساري، فهو لا ينطلق في آرائه المتحفظة من مرجعيات دينية أو عقائدية. كما قال عنه أستاذه، عياض بن عاشور، إنّه محافظ جدًا لكن ليس إسلاميًا. كما أنّه لا يقدم آراءه الشخصية في قضايا تتعلق بسياسات الدولة، وهو ما أكدّه سعيد بعد نتائج الجولة الأولى بأنه لا رجوع عن المكتسبات في مجال الحريات والحقوق، لكن المخاوف الليبرالية واليسارية تصاعدت بعد تغريدة له يعد الشعب بالعدل والحرية وعلوية القانون على شاكلة الفاروق عمر بن الخطاب رضى الله عنه، الذي يُعتبر رجل دولة بامتياز ونموذجا يحتذى به في الحزم والعدل.