هل يتوقف إهدار الحق في الحياة بعد سيل أحكام الإعدام الجائرة؟

- ‎فيتقارير

تصدر أحكام الإعدام في مصر من محاكم لا تتوافر فيها شروط التقاضي العادل، ويمضى النظام في تنفيذها من وقت لآخر رغم ما تحتويه من أخطاء كارثية، ضمن نزيف إهدار حق الأبرياء في الحياة المتصاعد منذ انقلاب 3 يوليو 2013، وفقا لما توثقه المنظمات الحقوقية المحلية والدولية.

قلق بالغ

وعبَّرت منظمة العفو الدولية عن قلقها البالغ بشأن عدالة المحاكمات التي تصدر عنها أحكام الإعدام في مصر في ظل انعدام شروط التقاضي العدل، فوفقًا لتقرير أصدرته الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في 2019، حول انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة في القضية رقم 506 لسنة 2014 كلي شرق القاهرة/ 432 لسنة 2013، المعروفة إعلاميًا باسم قضية “أنصار بيت المقدس”، يؤكد العديد من الضحايا الذين احتُجزوا إنهم تعرضوا للاختفاء القسري لفترات تصل إلى 5 شهور، والتعذيب بالضرب، والصدمات الكهربائية على الأعضاء التناسلية، أو التعليق لفترات طويلة، بينما هم مكبلو الأيدي وعراة.

حكم قبل المداولة: تقرير حول انتهاكات ضمانات المحاكمة العادلة في القضية رقم 506 لسنة 2014 كلي شرق القاهرة/ 432 لسنة 2013 حصر أمن دولة عليا، المعروفة إعلاميًا باسم قضية أنصار بيت المقدس

وهى القضية التي صدرت فيها أحكام بالإعدام لـ37 من المذكورين فيها، الاثنين، وصفتها حركة “ضد الإعدام” بأنها سابقة خطيرة لم تحدث في مصر من قبل.

وأوضح محمود جابر، مدير مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان، أن هناك إساءة من قبل القضاة في مصر لاستخدام هذه العقوبة، خاصة فى القضايا السياسية للتخلص من الخصوم السياسيين للنظام الحالي.

وأشار، خلال ندوة “الحق فى الحياة” التي شارك فيها مؤخرا في جنيف، إلى أن الأرقام ترصد أن أحكام الإعدام التي صدرت منذ عام 1981 وحتى عام 1990 وصلت إلى نحو 175 حكما، نُفذ منها 35 حكم إعدامٍ، ومنذ عام 1991 وحتى 2001 صدر نحو 678 نفذ منها 213 حكمًا، وفي الفترة من 2002 وحتى 2006 صدر نحو 528 حكم إعدام، وأن مجموع أحكام الإعدام التي صدرت خلال 27 عاما قبل نحو 6 سنوات من الآن وصلت إلى 1986 حكم إعدامٍ، بمتوسط حسابي 73.55 كل عام خلال الـ27 عامًا.

https://www.facebook.com/383809935529982/videos/204401047472198/

وتابع أنه “خلال الفترة من يوليو 2013 وحتى 2019 تم رصد نحو 1512 حكمًا بالإعدام بمتوسط حسابي 252 كل عام، ونفذ الحكم في 63 من الصادر ضدهم هذا الحكم خلال الـ6 سنوات، كما أن هناك 65 آخرين صدر ضدهم قرار الإعدام في 10 قضايا سياسية، وهم رهن التنفيذ استمرار لإهدار الحق في الحياة رغم الانتقادات التي وجهت إلى مصر مؤخرًا من 35 دولة خلال الاستعراض الدوري لملف حقوق الإنسان فى نوفمبر من العام الماضي.

وأكد افتقار المحاكمات في مصر لضمانات المحاكمة العادلة بما يخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومنها القبض والاحتجاز التعسفي والتي تأتي بالمخالفة للقانون المصري والدستور، فضلا عن جرائم الإخفاء القسري والتي تعد جرائم ضد الإنسانية، يضاف إلى ذلك التعذيب والإكراه الذي يمارس ضد المعتقلين.

وكانت عدة منظمات حقوقية مصرية قد أصدرت على هامش مشاركتها في اجتماع الدورة الـ43 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في مدينة جنيف السويسرية، تقريرا حقوقيا مشتركا بعنوان “رهن الإعدام”.

التقرير شاركت في إعداده منظمة “إفدي الدولية” و”مركز الشهاب لحقوق الإنسان” و”مؤسسة عدالة لحقوق الإنسان” و”منظمة هيومن رايتس مونيتور” و”منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان”، وقد “رصد ووثق من الناحية القانونية أهم انتهاكات معايير المحاكمات العادلة أثناء المحاكمات التي صدرت في مصر، ومدى قانونية المحكمة والمُحاكمة، ونقاط التزام المحكمة بتلك المعايير من عدمه.

لا ضمانات

من جانبه أكد خلف بيومى، مدير مركز الشهاب، افتقار المحاكمات لأهم ضمانة من ضمانات المحكمة، وهي التقاضي أمام قاضيه الطبيعي، بما يساعد فى إهدار الحق فى الحياة بشكل غير مسبوق، حيث تصدر أحكام الإعدامات لأبرياء كونهم معارضين للنظام الحالي فى مصر.

وذكر أن أحكام الإعدامات تصدر من محاكمات استثنائية بما يخالف الدستور، وهي ما أطلق عليه دوائر الإرهاب بعد تنحي القضاة، عقب أحداث 3 يوليو، عن نظر القضايا التي تعتبر قضايا سياسيةK أو تصدر عن المحاكمات العسكرية التي تخالف الدستور المصري، أو من محاكم أمن الدولة طوارئ التي هي أسوأ من القضاء العسكري، التي لا يجوز الطعن على أحكامها.

https://www.facebook.com/elshehab.ngo/videos/660906871328287/

ومؤخرا دعت حملة “أوقفوا تنفيذ الإعدام في مصر” المصريين إلى المشاركة فى أنشطة الحملة؛ لوقف تنفيذ أحكام الإعدامات الجائرة والصادرة من محاكمات لا تتوافر فيها أدنى معايير التقاضي العادل.

ودعت الجميع أن يكون صوت المظلومين المحكوم عليهم بالإعدام، ونشر صور الضحايا على وسائل التواصل الاجتماعي، ليعرف العالم كله بقضيتهم العادلة

إهدار قانون الإجراءات الجنائية 

كان الباحث الحقوقي أحمد العطار، قد أكد أن سلطات الانقلاب فى مصر خالفت المادة 448 من قانون الإجراءات الجنائية وأعدمت 12 مواطنًا مصريًّا، بالرغم من عدم البت في طلبهم بالالتماس وإعادة النظر في أحكام الإعدامات الصادرة ضدهم .

وتساءل، عبر صفحته على فيس بوك”: هل نستطيع أن نُجبر سلطات النظام الانقلابي فى مصر على وقف تنفيذ حكم الإعدام النهائي لـ84 مواطنًا مصريًّا ونعيد لهم حقهم الطبيعي فى الحياة؟”

وأشار إلى أنه “خلال العام الماضي 2019، أقدمت سلطات الانقلاب على تنفيذ عقوبة الإعدام بحق 18 مواطنًا مصريًّا شملتهم 6 قضايا سياسية مختلفة، 3 منها خلال شهر فبراير 2019، حيث نفَّذت يوم الخميس 7 فبراير 2019 حكم الإعدام بحق ثلاثة أشخاص بقضية ما يعرف إعلاميا بمقتل نجل المستشار رئيس محكمة المنصورة عام 2014، فى يوم الأربعاء 13 فبراير، تم تنفيذ الحكم على ثلاثة آخرين من أبناء مركز كرداسة فيما يعرف بقضية مقتل اللواء نبيل فراج، كما نفذت فى يوم الأربعاء 20 فبراير 2019 حكم الإعدام بحق 9 آخرين فيما يعرف بمقتل هشام بركات نائب عام الانقلاب”.

وأوضح أن “محاكمة هؤلاء الضحايا شابتها انتهاكات صارخة تنسف ما يسمى بالمحاكمة العادلة، حيث تمت محاكمتهم في أجواء وإجراءات تخالف كل الأعراف والمواثيق الدولية ومعايير المحاكمات العادلة”.

وتابع: “وبخلاف ذلك فقد تقدم محامو الضحايا الثلاثة قبل تنفيذ الأحكام بوقت كافٍ في قضية ابن المستشار، وكذلك الضحايا التسعة في قضية نائب عام الانقلاب هشام بركات، بطلبات إلى مكتب النائب العام المصري بالالتماس لإعادة النظر في القضيتين، وفقا للمادة 441 من قانون الإجراءات الجنائية، وقد تم قبول واستلام الطلبات من قبل مكتب النائب العام للبت فيها، والحقيقة الصادمة أنه حتى تاريخ تنفيذ أحكام الإعدام لم يكن قد تم البت بالقبول أو الرفض في الالتماسات المقدمة، ووفقا للمادة 448 من قانون الإجراءات الجنائية”.

وذكر أن “المادة 448 من قانون الإجراءات الجنائية تنص على أنه لا يترتب على طلب إعادة النظر إيقاف تنفيذ الحكم إلا إذا كان صادرًا بالإعدام، مفاد ذلك وقف تنفيذ حكم الإعدام لحين الفصل في التماس إعادة النظر، ولا يجوز تنفيذه قبل ذلك، ورغم ذلك أقدمت سلطات النظام الانقلاب على تنفيذ حكم الإعدام”.

وقال “إن تنفيذ الإعدامات رغم سريان الالتماس يُعد مخالفة قانونية صارخة لإجراءات التقاضي في مصر، ويُعد استمرارًا لانتهاك أبسط حقوق العدالة، خاصة أن هذه ليست الواقعة الأولى في هذا الصدد؛ فقد تكرر الأمر سابقا أكثر من مرة”.

وبيّن أن “من أسباب تقديم المعتقلين والمحكوم عليهم بالإعدام بالإكراه، على الاعتراف بجريمة القتل أثناء التحقيق معهم، وقيامهم بنفي هذه التهم أمام القاضيين “محمد علام وحسن فريد”، اللذين لم يأمرا بالتحقيق في وقائع تعذيبهم أو التحقيق فى وقائع اختفائهم قسريًّا لفترات مختلفة أو توقيع الكشف الطبي عليهم للتحقق من تعرضهم للتعذيب، وانتهى بهم إلى حكم جائر بالإعدام انتهكت فيه قواعد التحقيق الجنائي الصحيحة، ولم تراع في محاكمة الضحايا قواعد المحاكمة العادلة”.

ورصدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، صدور حكم الإعدام بحق 23 مواطنا خلال شهر يناير الماضي، فضلا عن 36 آخرين في 16 قضية تمت إحالة أوراقهم إلى المفتي؛ تمهيدًا لإصدار أحكام الإعدام ضدهم.

https://eipr.org/publications/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D9%82%D8%A7%D9%85-%D8%B1%D8%B5%D8%AF-%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%85%D9%86-2011-%D8%A5%D9%84%D9%89-2019

هل تنجح الضغوط لوقف الجريمة؟

ويؤكد رئيس مكتب الاتصال والإعلام في منظمة فرونت لاين ديفيندرز الحقوقية، آدم شابيرو، أن حكم الإعدام في مصر يتم استخدامه كأسلوب قمع وتخويف المجتمع وليس كأداة لفرض العدالة، وقال إن المنظمات الحقوقية في العالم بصدد العمل من أجل الضغط على النظام  الحالي في مصر لإنهاء حكم الإعدام الذي يتم استخدامه “بشكل مبالغ فيه” فى ظل الخروقات الكبيرة التي عُرف بها النظام المصري في مجال حقوق الإنسان.

كما يشدد علاء عبد المنصف، مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان، على ضرورة مراجعة الأطراف الدولية لقيمة الحق في الحياة للضغط على الحكومات والأنظمة لاحترام معايير حقوق الإنسان وتطبيقها فيما يخص هذا الأمر.