يحتفل غالبية سكان العالم بما يسمى "يوم "كذبة إبريل" في الأول من الشهر من كل عام، حيث يكون اليوم، عادة، مليئا بالكذب الساخر والمقالب الفريدة، دون أي شعور بالذنب، إلا أن الأمر في مصر الموبوءة بالانقلاب يختلف عما يجري في الخارج، فكذب العسكر لا يقتصر على شهر إبريل فقط دون باقي أشهر العام، بل إن الكذب يولد مع العسكر ويولد العسكر مع الكذب.
ولا يتوقف المشهد المصري عن إبهارنا بالجديد من السريالية والعبث السياسي، وذلك منذ انقلاب جمال عبد الناصر وحتى انقلاب السفاح عبدالفتاح السيسي، وليس أقلها الخطب الارتجالية التي يلقيها على مسامعنا كل أسبوع تقريباً السفاح السيسي، والتي لا يملّ فيها من تكرار أكاذيبه وأيْمانه الغموس التي تنضح بكل مؤشرات جنون العظمة.
ويعتري العسكر من أول كبيرهم الدكتاتور عبد الناصر وحتى الطاغية السفاح عبدالفتاح السيسي شعوراً متضخما بالذات الذي يكاد ينفجر من ملامح الجنرال، وهو يتحدّث، بكل كِبر وغرور، خصوصاً أنه لا يعير اهتماماً لمستمعيه الذين يصاحبونه في مجالس الكلام التي يعقدها بشكل منتظم، والذين يعطيهم ظهره وهو يحدّثهم، احتقاراً وتصغيراً لهم، وهو يعلم أن أحداً لا يجرؤ على ردّه أو وقف مهاتراته.

كذبة تدمير إسرائيل!
وبالرغم من مرور نحو 54 عاماً على هزيمة 1967 التي يحلو للتيار الناصري أن يسميها النكسة، وعلى الرغم من مرور كل هذه السنين، إلا أن عقلية ما يمكن تسميته "خطاب النكسة" لا تزال مسيطرة على تفكير كثيرين من صناع القرار في عصابة الانقلاب العسكري. وبمحاولة فحص مفردات خطاب النكسة وتحليلها، نخرج بعدد من النتائج، ففي البداية كان الكذب الصريح، والإيهام بوجود انتصارات ساحقة، مثل الأخبار التي بثها الإعلام وقتها عن إسقاط مئات الطائرات الإسرائيلية، وأن الجيش المصري أصبح قاب قوسين أو أدنى من دخول تل أبيب.
وبعد اكتشاف الحقيقة المرّة، بدأت مرحلة الحجج واختلاق المبرّرات والذرائع، مثل التظاهر بالمفاجأة، والقول إن مصر واجهت أمريكا وليس إسرائيل فقط، وهو ما تمثل في تصريح أبو الانقلاب عبد الناصر نفسه، إنهم توقعوا أن يأتي العدو من الشرق والشمال، لكنه جاء من الغرب! أما الخداع الأكبر فكان في تحويل الهزيمة الساحقة إلى انتصار، بادّعاء أن إسرائيل كانت تهدف إلى القضاء على عبد الناصر، وما دامت لم تقض عليه، وما دام مستمرا في الحكم، فنحن لم ننهزم! .. استهدف الدكتاتور عبدالناصر من هذا الخطاب تمييع المسؤولية عن الهزيمة، لأن المحاسبة ستُفضي بالضرورة إلى رحيل السفاح عبد الناصر، لأنه المسؤول الأول والأخير عما حدث، وهو ما لا يريده الشعب بالطبع، حتى لا تحقق إسرائيل غرضها برحيله.
كما استتبع استمرار السفاح عبد الناصر أيضا إطلاق مسميات أخرى على الهزيمة للتخفيف من حقيقتها، وهنا كان اسم "النكسة" والتي أطلقها الكاتب الراحل حسنين هيكل، والذي يوحي بأن كل شيء كان يسير على ما يرام، وأن ما حدث لا يعدو كونه تراجعا مؤقتا، وستعود كل الأمور إلى ما كانت عليه، فلكل جواد كبوة.

أكاذيب السيسي
ويجزم المراقبون بأن خطب السفاح السيسي ستصبح مادّة غنية للمؤرخين وأساتذة الطب النفسي وأصحاب النوادر والفكاهات، باعتباره أكثر من حكموا مصر سفسطةً وحماقةً وجهلاً، وذلك على الرغم من ادعائه الحكمة والمعرفة النورانية التي لا يشاركه فيها أحد. وسيجد الباحثون مادة ثريّة شكلاً، فارغة المعنى مضموناً، وفي إحدى هذه الخطب خرج السفاح السيسي يصرخ في وجوه الناس ويهدّدهم ويتوعدهم بأن مصيرهم سيكون كمصير الدول الفاشلة، لو رحل من السلطة.
كذلك عاد السفاح السيسي إلى الحديث عن "فزّاعة" ثورة يناير التي يحمّلها كل المشكلات التي مرّت بها مصر منذ انقلاب عبد الناصر وحتى يومنا هذا، وهو يريد من المصريين أن يسلّموا بسرديته، ويصدّقوا روايته ورؤيته لتلك المرحلة، وأن يكذّبوا أنفسهم وكأن على رؤوسهم الطير. يحاول السفاح السيسي تزييف التاريخ علناً، وعلى رؤوس الأشهاد من دون أن يردّه أحد أو يذكّره بكلمة واحدة عن انقلابه المشؤوم، وقفزه إلى السلطة من دون وجه حق، مدعوما من حلف خليجي صهيوني أمريكي.
ويريد السفاح السيسي مسح آثامه وجرائمه، والتركيز فقط على ثورة يناير وكأنها رجسٌ من عمل الشيطان يجب رجمه في كل حديث يخرج به على الناس، بل المدهش هو طلبه أن تدرس سرديته ورؤيته، وتلقن للطلاب في المدارس والجامعات، وفي الإعلام، وذلك في ما يشبه عملية غسل مخ فاسدة، تجري تحت سمعه وبصره.
اللافت في الأمر، أن هذا هو ما يحدث بالفعل على مدار السنوات الماضية، في ظل عملية التشوية والشيطنة التي تمارسها أذرعه الإعلامية على مدار الساعة، من دون أن يصدّق أحد روايته، أو يشتريها ولو بثمن بخس. ولعل هذا سر غضب السفاح السيسي المكتوم الذي يخرج رغما عنه في أحاديثه المكررة عن الثورة، إلى الدرجة التي تجعله يحلف ويقسم، في كل مرة، بأغلظ الأيمان كي يصدّقه الناس، وربما لم يعد أمامه سوى أن يأتي بمصحف ويحلف عليه أمام الجمهور ويكرّر مقولته الشهيرة "أنا صادق قوي وأمين قوي"!

Facebook Comments