تحت عنوان "أبعاد استقالة وزير الدولة للإعلام بسلطة الانقلاب أسامة هيكل طرح موقع "الشارع السياسي" تصورا لاستقالة "هيكل"  في أجواء تصنيف مصر حاليا في المرتبة 161 من بين 180 دولة في سلم احترام حرية التعبير والصحافة حسب منظمة "مراسلون بلا حدود"، ووصول عدد المواقع الإعلامية المحجوبة في مصر إلى الآن نحو 568 موقعا حسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير المصرية.

وخلصت إلى أن استقالة اسامة هيكل، ضمن التشابك العميق والمعقد بين الأجهزة الاستخبارية التابعة للجيش المصري والمحطات التلفزيونية وشركات الإنتاج والصحافة، ويبقى الباب مفتوحا على مزيد من الأزمات في الفترة المقبلة، وسط تحديات المشهد السياسي المرتبك في مصر، والذي وصل لأن يتحدث المنقلب عبد الفتاح السيسي نفسه لمجلة ألمانية، عن أن هناك تحريضا على انقلاب على السلطة القائمة؟!! 

أول استجواب
وبحث الورقة في دلالات استقالة “هيكل” فرأت أن اول دلالة هي "اسقاط اول استجواب بمجلس النواب" برلمان العسكر، مشيرة إلى دخول "هيكل" في صراع غير معلن مع الضابط النافذ في جهاز المخابرات العامة أحمد شعبان، الذي يدير منظومة الإعلام في مصر من وراء ستار، إلى جانب ما يعرف بـ”تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين” داخل برلمان الانقلاب، والتي تقدم أحد أعضائها، وهو النائب نادر مصطفى، باستجواب ضد هيكل يتهمه فيه بـ”الفساد المالي”، و”إهدار أموال الدولة".

بقايا "طنطاوي"
ورأت الورقة أن "هيكل" صحفي ومحرر عسكري سابق لجريدة “الوفد” الحزبية، واستغل قربه من أعضاء في المجلس العسكري، على رأسهم حسين طنطاوي، عقب ثورة 25 يناير في شغل منصب وزير الإعلام خلال النصف الثاني من عام 2011، في فترة شهدت أحداثا جساما، حيث وقف فيها الإعلام الرسمي ضد الثوار، ومارس حملة ممنهجة لتشويههم لصالح المجلس العسكري الحاكم حينها.

وخلال أحداث ماسبيرو وصف هيكل ما حدث بأنه “مؤامرة إخوانية لإسقاط الدولة”، ومارس التلفزيون المصري تغطية غير محايدة، وحرض ضد المواطنين المسيحيين المتظاهرين، وأغلق مكتب قناة “الجزيرة” الفضائية بالقاهرة في عهده، بدعوى عملها من دون تصريح.

السيطرة والتأميم
واعتبرت الورقة أن هيكل أقيل ولم يستقل، وكانت إقالته فرضا للسيطرة الشاملة والتفرد للجهاز الأمني في إدارة ملف الاعلام، من قبل مكتب عباس كامل ونجل السيسي العميد محمود السيسي، وكيل المخابرات النافذ في أروقة السلطة، من أجل خنق المنافذ وضبط قنوات الاتصال بمكتب واحد يديره المقدم أحمد شعبان بالمخابرات العامة، في مواجهة تحديات المرحلة المقبلة وما قد تفرضه من تغيرات بالداخل والخارج ، سواء على صعيد الأزمات المتراكمة في سد النهضة أو في ليبيا وفي البحر المتوسط، واحتمالات التقارب الذي ما زالت مصر متراخية بشأنه مع تركيا.
وأوضحت أنه لا يمكن فصل سياسات السيسي تجاه الإعلام، عن تلك التي يريد تنفيذها لتأميم المجال العام والقضاء على أي معارضة حقيقية، من خلال التنكيل بكل من يهاجم نظام الانقلاب.

عسكرة الإعلام

لم يخف السيسي في أكثر من مناسبة في الأعوام الماضية “ضيقه الشديد” من التغطيات الإعلامية لأداء حكومته، وولعه بإعلام عصر الستينيات، حيث كانت وسائل الإعلام جميعها خاضعة لسيطرة الحكومة وموالية بشكل تام للرئيس جمال عبد الناصر، وعلى الأرجح، فإن همسات السيسي تلك لم تكن مجرد أمنيات عابرة، ولكنها كانت بمنزلة إشارة البدء لخطة أُدخلت الإعلام المصري إلى عصر جديد، أو تُعيده إلى عصر قديم إن توخينا الدقة.

ورأت أن الدلالة الخامسة هي سيطرة الأجهزة السيادية على الاعلام، فمنذ الانقلاب باتت السيطرة من قبل السلطة على كافة المنابر الاعلامية متصاعدة، ولكنها كانت أخذت عدة تطورات.
وقالت إنها بدأت بتخلى مجتمع إعلام رجال الأعمال في مصر عن اصطفافه النمطي خلف السلطة العسكرية لنظام ما بعد 3 يوليو هي تلك اللحظة التي بثت فيها القنوات الفضائية مشاهد اللجان الانتخابية الخاوية أثناء انتخاب السيسي منتصف عام 2014، في تلك اللحظة بدا أن إعلام السيسي يتعمد إحراجه بشكل واضح.
وظهر في اختيار صحيفة الوطن تغطية أول خطاب رئاسي للسيسي تحت عنوان “أربعون خطأ لغويا في خطاب السيسي الأول"، كانت تلك هي الإشارات الأولى للتصدعات الكامنة في قلب تحالف “مناهضة الإخوان” الذي تأسست عليه شرعية النظام المصري الجديد.

وتحدثت الإعلامية المقربة من السلطة لميس الحديدي، خلال برنامجها على فضائية سي بي سي، منتقدة مجلس نواب العسكر بالقول إن كل نائب خلفه جهاز يتحكم فيه ويزوده بالمعلومات، لكن ما لم تصرح به الحديدي هو أن مقولتها تلك تنطبق بشكل حرفي على مجتمع الإعلاميين أنفسهم، قبل أن تنطبق على النواب.
وأوضحت أن السيسي فقد صبره في مواجهة إعلام عصر مراكز القوى الذي بدأ يُعبّر، وإن كان ذلك بصوت خافت، عن مصالح القوى المتباينة داخل تحالف حمله للسلطة، وسرعان ما أفصح عن نيته العودة بإعلامه إلى عصور البروباجندا العتيقة. غير أنه كان يدرك بوضوح أنه لم يعد بمقدوره توحيد الإعلام تحت قبضة سلطة سياسية حكومية موحدة، كما فعل عبد الناصر، وأن عصر الإعلام الخاص صار حقيقة لا يمكن تجاوزها.
وأشارت في هذا الاطار إلى إصدار السيسي سلسلة قوانين عسكرية بحق الاعلام مثل قانون الإرهاب الذي يعاقب بالحبس على نشر أي أخبار تخالف البيانات الرسمية في الأحداث التي تعتبرها الحكومة إرهابية، وقانون الكيانات الإعلامية الموحد المثير للجدل، ولكنه يستلزم أيضا أن تُظهر السلطة أنيابها في مواجهة وسائل الإعلام ومموليها الذين تعرضوا لضغوط كبيرة من قبل السلطة، إما للخروج من المشهد بشكل كامل، كما حدث مع توفيق عكاشة صاحب قناة الفراعين الذي أغلقت قناته الفضائية وأُسقطت عضويته في برلمان الانقلاب قبل أن يختفي من المشهد، وإما لضبط توجهات وسائل الإعلام التي يديرونها عبر استبعاد الإعلاميين الذين مارسوا انتقادا متتابعا للنظام، كما حدث مبكرا للإعلاميين يسري فودة وريم ماجد من قناة أون تي في التي كانت مملوكة في ذلك التوقيت لرجل الأعمال نجيب ساويرس، وصولا إلى إيقاف برنامج الإعلامي إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس، بعد ممارسة ضغوط مكثفة على مالكها قطب الإعلانات الشهير طارق نور، وصلت ذروتها بالتعنت في إقامة معرض لومارشيه السنوي للأثاث الذي ترعاه وكالته الإعلانية، قبل أن تتراجع الأجهزة الأمنية وترخص بإقامة المعرض بعد استبعاد عيسى، الذي عاد مجددا في 2021.

وأضافت الورقة أن خطة السيسي تقوم في المقام الأول على خلع الأجهزة السيادية لأقنعة الوقار التقليدي، وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي بوجوه مكشوفة.
كما لا يكتفي الرقيب العسكري الجديد بالجلوس في أروقة الصحيفة أو القناة لتحديد ما هو مناسب وما ليس مناسبا، ولكنه اليوم يمتلك القناة الفضائية ويديرها بنفسه، ويوظف المهنيين تحت سلطته مباشرة، وفي أحيان كثيرة يقوم بنفسه بإعداد وتقديم المادة الصحفية المكتوبة أو المرئية، صانعا بذلك أوركسترا بروباغندا نموذجية، أما الفضاءات التي لا يستطيع الرقيب السيطرة عليها فسوف يكون مصيرها الحجب التام والمنع من الوصول إلى الجماهير، وهو مصير لقته مئات المواقع الصحفية والمستقلة في الفترة الأخيرة.
https://politicalstreet.org/2021/05/02/%d8%a3%d8%a8%d8%b9%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d9%82%d8%a7%d9%84%d8%a9-%d9%88%d8%b2%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a-%d9%84%d9%84%d8%a5%d8%b9/

Facebook Comments