يقول الأديب الدنماركي هانس أندرسن: “في قديم الزمان عاش إمبراطور مولع بالثياب الجميلة. وقد بلغ من تعلقه بها أنه كان ينفق كل ماله على اقتفائها. وكانت البلدة التي يقع قصره فيها سعيدة للغاية، يتوافد عليها الزائرون الجدد كل يوم. وذات يوم جاءها اثنان من النصابين كانا يشيعان بأنهما حائكان يعملان في صناعة النسيج، وأنهما قادران على نسج أروع الأقمشة وأشدها جمالا. كما زعما أن هذه الأقمشة لم تكن تتميز من حيث الألوان والنقوش فحسب، بل كانت لها خاصية تجعلها غير مرئية لكل من كان يشغل منصباً ليس مؤهلاً لشغله، أو كان أحمق حماقة لا تغتفر”.

“إن هذا رائع حقا” هكذا قال الإمبراطور لنفسه: “والآن إذا صنعت أردية من هذا القماش، أمكنني أن أعرف من مِن مستشاري غير كفء لشغل منصبه. سأطلب من الرجلين أن ينسجا لي بعض الأقمشة”. ثم دفع الإمبراطور للنصابين مبلغا كبيرا من المال لكي يشرعا في عملية النسج.

وفكر قائلا: “سوف أرسل رئيس وزرائي المؤتمن ليرى على أيّ نحو يسير العمل، فهو يعرف كيف يحكم على مادة القماش”. وسرعان ما دخل رئيس الوزراء العجوز الطيب الحجرة التي يعمل فيها الحائكان وشاهد النول الفارغ، ففكر قائلا: “اللهم احفظنا!.. إنني لا أرى شيئا”.

ولكن أحد النصابين بادره بالسؤال: “أخبرنا ما رأيك فيما ترى؟”. فرد متمتما: “رائع” وبادر إلى ضبط نظارتيه على عينيه، ثم لم يلبث الإمبراطور أن دخل الحجرة التي كان الحائكان منهمكين بالعمل على النول الفارغ. فتوسلا إليه أن يقترب من النول فتساءل رئيس الوزراء: “رائع؟”

فكر الإمبراطور: “إنني عاجز عن رؤية أي شيء إنها لكارثة” لكن ذلك يعني أنه غير كفء للقيام بدور الإمبراطور فخاف على عرشه. ثم صاح بصوت مرتفع: “إنه قماش رائع، وهو يروق لي”.

ونصحه مستشاره بأن يقص القماش وأن يخاط لكي يرتديه في موكبه خلال الاحتفال المبكر الكبير. وفي الليلة التي سبقت الاحتفال لم تغمض للنصابين عين ولكن الجميع كانوا يلاحظون إلى أيّ حد انهمكا في العمل. وأخيرا أعلنا على الملأ: “ملابس الإمبراطور الجديدة جاهزة” وعندما اقترب الإمبراطور منهما تحركا على نحو يوحي بأنهما يقومان بإلباسه الثياب الجديدة.

وعندما سار في الموكب، أجمع سكان البلدة على أنها رائعة، ولم يجرؤ أحد على الاعتراف بأنه لا يرى شيئا. بل إن ملابس الإمبراطور لم تحظ بمثل هذا القدر من الترحاب من قبل. لكن طفلا صغيرا لم يلبث أن صرخ قائلا: “إني أرى الإمبراطور عاريا”.

دار الهمس واللغط بين الحاضرين قبل أن يكرّروا ما قاله الطفل الصغير: “الإمبراطور عريان”.  وبدلا من أن يثوب الإمبراطور الأحمق إلى الحق ويعترف بالحقيقة تملكته نوازع الكبر والغرور فاعترته رجفة الإنابة لكنه سرعان ما مضى في غيه وضلاله وقال في نفسه: “لا بد أن أتحمل حتى ينتهي الموكب”، وسار في خيلاء أكثر من أيّ وقت مضى.

"السيسي عاريا"!

نفس الأمر ينطبق تماما على الجنرال عبدالفتاح السيسي الذي اغتصب السلطة بانقلاب عسكري دموي وبنى ملكه على جماجم آلاف الأبرياء وسفك الدم الحرام رغم أن الله توعد من يقتل مؤمنا واحدا عمدا بالخلود في النار { وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدࣰا فِیهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِیمࣰا}.

وخلل  الأيام الماضية، تلقى رؤساء تحرير الصحف الحكومية والخاصة ومقدمو  البرامج الحوارية على فضائيات السلطة تعليمات مشددة من جهاز المخابرات العامة والأمن الوطني  بشأن تكثيف حملة #الجمهورية_الجديدة من خلال بث التقارير المصورة ونشر وبث المقالات والملفات عن فترة حكم الطاغية عبدالفتاح السيسي والحديث عن إنجازات النظام الكبرى ومشروعاته الضخة وذلك بهدف التغطية على فشل النظام في رفع مستوى  المعيشة وكذلك التغطية على فشل النظام في حل أزمة سد النهضة والتسويق لإنجازات النظام  رغم أن الغالبية الساحقة من الشعب تراها وهمية ولم تحقق سوى المزيد من الفقر والجوع وتدهور مستويات المعيشة.

الحملة تتضمن الإشادة المكثفة بسنوات حكم الجنرال الذي اغتصب السلطة بانقلاب عسكري وسفك دماء الآلاف من المصريين، وأقام ملكه على جماجم الضحايا وأنات المظلومين، كما تتضمن الثرثرة باستمرار عن "الرئيس الإنسان"! رغم أن جرائم السيسي جرى نقلها وبثها بثا مباشرا عبر عشرات الشاشات ومقاطع الفديو عن مذابح رابعة والنهضة والحرس والمنصة توثق بالصوت والصورة جرائم السيسي ضد الإنسانية، وكيف مارس أبشع صور العنف والإرهاب طمعا في السلطة.

ونصت التعليمات، على "أهمية التركيز على الزوايا والجوانب الإنسانية في شخصية السيسي، أو ما يعرف بـ(الرئيس الإنسان)، وشددت التعليمات على "إبراز رأي الممثلين والمثقفين الموالين لنظام الحكم الحالي في تقييم فترة حكم السيسي، وترويج الأكاذيب القديمة التي لم تعد تنطلي على غالبية الشعب حول السيسي المنقذ من الإسلاميين رغم أن ذلك هو كبرى جرائم السيسي على الإطلاق وتبرهن على دمويته وعنصريته وقيام سياساته كلها على الكراهية والتمييز.

الشاهد هنا أن العلاقة بين السيسي والإمبراطور العريان تكاد تتطابق، فكلاهما يعيش في أكذوبة كبيرة ويفرض هذه الأكذوبة على الناس بقوة السلطان ويوظف جميع مؤسسات الدولة للترويج لهذه الأكذوبة، ورغم الآيات البينات التي تبرهن على كذبه وجرائمه إلا أنه لا ينصاع للحق والحقيقة ولم يزده ذلك إلا ظلما وتكبرا وغرورا، وسيمضي في خيلاء مصرا على أكاذيبه حتى يهلك غير مأسوف عليه.

Facebook Comments