"الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا والرصاص محشو في بنادقنا" ذلك منطق جنرالات الانقلاب بمصر، وتلك سياستهم، وفي إجراء غير مسبوق ضد شركة جهينة للصناعات الغذائية، بعد شهور من القبض على رئيس مجلس إداراتها، صفوان ثابت، ونجله "سيف" الرئيس التنفيذي للشركة بعدة تهم منها "تمويل الإرهاب"، تم سحب رخص عشرات الشاحنات التابعة لأسطولها الضخم، وفق شكاوى رسمية تقدمت بها الشركة.
وعقب هذه الإجراءات هبط سهم الشركة المقيدة في البورصة المصرية 4.55% عند 5.25 جنيهات، ليواصل مسلسل التراجع من أعلى قيمة له في يوليو الماضي، عندما سجل نحو 8.24 جنيهات، مُسجلا نسبة تراجع بلغت أكثر من 35%، وظهرت أصابع الإمارات خلف تلك الإجراءات بعدما تم تسريب معلومات عن استيلاء دبي على شركة جهينة.

جهينة والأهرامات وما خفي كان أعظم..!
وقبل تصفية شركة "جهينة" استعدادا لبيعها إلى دبي، لم يكن الإعلان عن موافقة عصابة الانقلاب على بيع منطقة الأهرامات الأثرية بالجيزة، للإمارات لإدارتها لمدة 20 عاما، سوى جزء يسير من التنازلات التي ظل السفاح السيسي يقدمها لنظام أبوظبي الذي أصبح يهيمن على القرار السياسي والاقتصادي في مصر.
وكان مسؤولان مصريان في وزارة الآثار المصرية، أعلنا أن شركة "بريزم إنترناشيونال" الإماراتية سوف تقوم بإدارة منطقة الأهرامات الأثرية بالجيزة، وأن الشركة حصلت على الموافقة المبدئية من الدولة لإدارة المنطقة السياحية الأهم بالقاهرة، لمدة 20 عاما، على أن تقوم بعمليات تطوير وضخ مبلغ 50 مليون دولار. ويأتي اتفاق عصابة الانقلاب مع الشركة الإماراتية في ظل سيطرة إماراتية على عدد كبير من القطاعات في مصر، ومنها القطاعان الصحي والسياحي والغذائي.

يقول المحلل السياسي الدكتور عماد الوكيل: "احنا نسجن صفوان ثابت الراجل المحترم صاحب شركة جهينة،ونوقف الشغل ونشرد العمال، تقوم الأسهم تنزل في الأرض؛ نقوم بيعينها لشركة دبي القابضة عادي ، طيب نقول سجناه ليه ؟ بسيطة تمويل جماعة محظورة ، طيب و الشعب ؟ هو يعني الشعب سأل بعنا تيران و صنافير ليه و لا ضيعنا النيل ليه لا طبعا يا راجل كبر مخك، صفحة من صفحات العهر في تاريخ مصر".
ووصفت جهينة، أكبر منتج للألبان والعصائر المعلبة في مصر، في شكواها الإجراءات بأنها "غير مفهومة وغير مُبررة"، طبقا لتقرير نشرته وكالة "رويترز" (Reuters)، وأرسلت منها نسخا إلى وزارتي التجارة والصناعة، والتموين والتجارة الداخلية، وإلى غرفة الصناعات الغذائية باتحاد الصناعات، وإلى المحامي العام لنيابات منطقة السادس من أكتوبر.
وتضمنت الشكاوى قيام إدارة المرور ومباحث مرور الجيزة بالتمركز بشكل شبه مستمر عند مصانع الشركة، وأرصفة تحميل المنتجات بالمصانع والفروع، وسحب رخص 94 سيارة بيع، و12 سيارة نقل ثقيل، بالإضافة إلى 26 سيارة نقل ثقيل تابعة لمقاولي النقل؛ مما أدى لامتناع بعضهم عن التعامل مع الشركة، وفق الوكالة.
وحذرت الشركة من أن هذه الإجراءات سوف تحد من قدراتها على النقل والتوزيع، وإلحاق خسائر بها؛ بسبب تراجع منتجات الشركة من الألبان في الأسواق، علاوة على الإضرار بالشركة ومصانعها وفروعها والعاملين بها البالغ عددهم نحو 4500 عامل بشكل مباشر، ونحو 25 ألفا من العمالة غير المباشرة".

جمهورية للبيع..!
بعد بيع السفاح السيسي جزيرتي تيران وصنافير في البحر الأحمر، للسعودية مقابل مساعدات مالية ودعم سياسي للسفاح، جاء الدور على جزيرة الوراق وسط النيل التابعة لمحافظة الجيزة شرق القاهرة، حيث بدأت تتضح خيوط نوايا الحكومة المصرية بإخلاء الجزيرة، بعد إبرام صفقة مع الامارات.
وانتشرت نسخة مشروع إماراتي على وسائل التواصل الاجتماعي لمكتب هندسي يعمل في الإمارات يُدعى (آر إس بيه)، تكشف عن مخطط استثماري لمشروع جزيرة الوراق، يعود إلى عام 2013، بحيث اعتبر تطوير الجزيرة نموذجًا للتنمية المستقبلية في القاهرة، لما تملكه من موقع مذهل على نهر النيل.
وأشار مراقبون إلى أن الإمارات ربما تسعى للسيطرة على استثمارات الجزيرة كنوع من استرداد ثمن المساعدات التي قدمتها للسفاح السيسي وتقدر بنحو 18 مليار دولار خلال 3 سنوات.
وفي أكتوبر 2018 أثار تصديق السفاح السيسي على مذكرة تفاهم بين حكومتي مصر والإمارات، الكثير من التساؤلات بسبب ما تتضمنه من بنود ترسخ للنفوذ الإماراتي في مصر.
المذكرة التي تم نشرها في الجريدة الرسمية، ووافق عليها برلمان الدم في يوليو 2018 ، في جلسة لم تستغرق سوى عدة دقائق، تعطي أبو ظبي حزمة من الامتيازات الاقتصادية غير المسبوقة في تاريخ مصر، مقارنة بالدول الأخرى، فضلاً عما تحمله من ضمانات لحماية المصالح الإماراتية من الملاحقات القضائية، داخليًا كانت أو خارجيًا.
ووُضِعَ في المذكرة بند يمنع المصريين مستقبلا وحتى بعد سقوط الانقلاب من سن أي قوانين تتناقض مع الاتفاقات المبرمة بين الجانبين، وذهب البعض إلى أن البنود الواردة في المذكرة، مُكبلة للإرادة المصرية ،والتي باتت أشبه بما يسمى "الانتداب المالي" التي حوتها الاتفاقية هي نتاج طبيعي للدور الإماراتي في مصر، كونها اللاعب الأبرز والورقة الأكثر محورية في صعود السفاح السيسي.
وكان موقع "ميدل ايست آي" سرب وثيقة إستراتيجية لنظام أبوظبي في 2015 كشفت النقاب عن النوايا الحقيقية للإمارات من وراء دعمها المستمر لعصابة الانقلاب، والمتمثلة في الرغبة الكاملة في السيطرة على مفاتيح الأمور في مصر.
وقد جاءت مذكرة التفاهم التي تعطي أبو ظبي الضوء الأخضر نحومزيد من التوغل داخل مفاصل الدولة في إطار غطاء قانوني يحمي تحركاتها كافة دون ملاحقة قضائية داخلية أو خارجية، لتؤكد ما خلصت إليه الوثيقة، لتعيد مصر مجددا عهدها مع الانتداب لكنه هذه المرة ليس انتدابًا بريطانيا، بل إماراتيا وإن تباينت أشكاله وملامحه إلا أن الهدف واحد.

Facebook Comments