قالت تقارير إعلامية عربية إن رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وجه حكومته بإرجاء تنفيذ قرار زيادة سعر الخبز المدعوم والذي كان قد أعلن عنه خلال مؤتمر افتتاح المدينة الصناعية الغذائية “سايلو فودز”، المملوكة للقوات المسلحة، أخيرا، بدعوى أن الرغيف يكلف الدولة دعما يبلغ 60 قرشاً على الأقل.
ونقلت صحيفة “العربي الجديد” عن مصادر وصفتها بالمطلعة في حزب “مستقبل وطن” الذي تشرف عليه أجهزة السيسي الأمنية أن إرجاء تطبيق زيادة أسعار الخبز جاء بهدف “احتواء حالة الرفض الشعبي للقرار، وهو ما ظهر بوضوح عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنع امتدادها إلى الشارع مع بداية سريان قرار الزيادة، لا سيما مع التأجيج الذي تمارسه حاليا القنوات المعارضة في الخارج، كون الخبز هو السلعة الأهم للملايين من المواطنين البسطاء، والذين يعتبرونه مكونا رئيسيا في وجباتهم الغذائية”.
وبحسب التقرير فإن السيسي تلقّى تقارير من جهات سيادية توصي بإرجاء موعد زيادة أسعار الخبز، بهدف قطع الطريق على محاولات تأجيج الشارع في الفترة الراهنة، واستغلال ذلك من قوى “معادية” لدعوة المواطنين للتظاهر رفضا للقرار، في وقت تواجه فيه الدولة تحديات أخرى، أكثر أهمية، مثل أزمة سد النهضة الإثيوبي، وعدم استقرار الأوضاع في مناطق شمال سيناء.
وفي محاولة النظام لإخماد جذوة الغضب الشعبي التي اشتعلت بعد إعلان السيسي زيادة سعر رغيف الخبز المدعم، صدرت تعليمات من الاستخبارات العامة والأمن الوطني لبعض الإعلاميين والمؤثرين والحسابات المجهولة التي تدار بواسطة اللجان الإلكترونية التابعة للجهازين، بنشر أنباء تفيد بتعليق العمل بقرار زيادة السعر، والذي لم يصدر من الأساس بشكل رسمي، وتصوير ذلك باعتباره استجابة لمطالب الجماهير.
وفي الوقت نفسه، صدرت تعليمات لوسائل الإعلام الموالية للسلطة بالتمهيد لبرنامج حكومي موسع لإعادة هيكلة دعم الخبز، مع عدم التركيز على زيادة سعر الرغيف كقرار منفصل. ويرتكز ذلك على تقديم مبررات مبكرة لأي حركة مستقبلية في سعر الرغيف بعد تنفيذ المنظومة الجديدة للربط بين نقاط الخبز ونقاط السلع التموينية الأخرى بنسب محددة، تهدف لتقليل الفاقد في إنتاج الخبز وزيادة فرصة الحصول على سلع أخرى للمواطنين الداخلين في منظومة التموين، ولا يرغبون في الحصول على الخبز أو على كل الحصة المخصصة لهم بالكامل.
منظومة خبز غامضة
وبحسب التقرير فإن السيسي لم يعطِ أي أمر بالتراجع عن زيادة سعر الخبز المدعوم، ولكنه وجّه بإعادة النظر في المنظومة التي كانت وزارة التموين قد أعدّتها بالفعل لتطبيقها بعد استقرار الأوضاع الاقتصادية والصحية بسبب جائحة كورونا. ووجّه السيسي بإعادة النظر في المنظومة على خمسة محاور: إعادة النظر في سعر الرغيف وقيمته من النقاط التموينية، وضع معايير جديدة أكثر صرامة للتمكن من استبعاد ملايين المستفيدين الحاليين من المنظومة، بحث إضافة سلع تموينية جديدة بأسعار مخفضة تكون أكثر جذبا من رغيف الخبر وتسعيرها بالنقاط، تحديث المنظومة الإلكترونية للربط بين الجهات الموردة والمخابز لإحكام السيطرة على كمية الإنتاج وتقليل الفاقد والمهرب، وأخيرا تتبّع الإنتاج والحد من تسرب المنتج النهائي إلى السوق العامة بالتعاون مع وزارة الداخلية.
امتيازات عسكرية
ويرتبط المحور الثالث من هذه العملية، والخاص بإعادة النظر في السلع التموينية ككل وإضافة سلع أو نوعيات جديدة من السلع الحالية، بشكل أساسي، بصورة جديدة من صور التوسع الاقتصادي للجيش، توارت خلف تصريحات السيسي عن زيادة سعر الخبز، وهي مدينة “سايلو فودز” التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع مباشرة لوزير الدفاع، والذي كان السيسي يفتتحه عند إعلانه عن زيادة سعر الرغيف.
وبحسب مصدر في وزارة التموين بحكومة الانقلاب وآخر في مجلس وزراء الانقلاب، ستكون لمنتجات هذه الشركة الجديدة أولوية الشراء من هيئة السلع التموينية، فضلا عن وجودها التنافسي في السوق العامة لجميع أنواع السلع التي تنتجها من مكونات أساسية أو ترفيهية للغذاء المصري، ما يعطي للجيش مرة أخرى أفضلية على حساب القطاع الخاص، تمكنه من البيع بأسعار مخفضة أو إزاحة المنافسين من السوق.
وخلال حفل الافتتاح، قال وزير التموين بحكومة الانقلاب علي مصيلحي إنه يأمل بأن تساهم شركة الجيش الجديدة في تخفيض الأسعار في السوق بشكل عام وزيادة قدرة المواطن المصري على الشراء. لكن الخطة المعلنة لمنتجات الشركة تدل بوضوح على أن هدفها الأساسي مزاحمة القطاع الخاص في السلع الترفيهية، وليس الأساسية، وتحقيق أعلى ربح للجيش، في ظل غموض وسائل حصولها على الخامات، والتكاليف المالية للعملية الإنتاجية ككل، والتي ستكون بالتأكيد أقل بكثير من نظيراتها في القطاع الخاص، ابتداء من حصولها على مساحة أرض تبلغ 47 ألف متر مربع أُنشأت عليها المصانع بالتخصيص المباشر للجيش في مدينة السادات التي تملك الحكومة جميع أراضيها.
وكان السيسي قد أصدر عام 2015 قرارا جمهوريا، يعتبر مفصليا في تكريس قوة الجيش الاقتصادية، منحه به صراحةً صلاحية “تأسيس الشركات بكافة صورها، سواء بمفرده أو بالمشاركة مع رأس المال الوطني أو الأجنبي”. وجاء ذلك بهدف تجهيز وإعداد مدن ومناطق عسكرية، والقيام بجميع الخدمات والأنشطة التي من شأنها تحقيق أهدافه وتنمية موارده، وذلك بواسطة جهاز وزارة الدفاع المختص ببيع الأراضي والعقارات المملوكة للدولة التي تخليها القوات المسلحة. وبذلك، امتلكت المؤسسة العسكرية بشركاتها وقطاعاتها الإنتاجية كل مفاتيح احتكار مجالات الاستثمار في سيناء مستقبلا بما تحظى به من مزايا تنافسية مطلقة، في مخالفة لتعهدات السيسي السابقة بتوسيع إشراك المستثمرين المحليين والأجانب، التي ترجح المصادر بعد الدفع بهذا القانون أنها “كانت موجهة كرسالة للخارج لتخفيف الضغوط على مصر في ملف اقتصاد الجيش، الذي يسبّب للسيسي حرجا بالغا في علاقاته بالولايات المتحدة والأوروبيين ودول الخليج”.