بفشل اقتصادي وتمهيد درامي.. هل يقود السيسي مصر نحو “الشدة المستنصرية”؟

- ‎فيتقارير

مهدت المشاهد التي تضمنها مسلسل "بيت الشدة" لإمكانية تكرار ظروف ومشاهد الشدة المستنصرية التي عاشتها مصر في عهد المستنصر بالله، حيث الفقر والجوع وجفاف النيل وهلاك الزرع والثمار وجفاف الضرع وموت الإنسان والحيوانات من الجوع، واللجوء لأكل الميتة ولأكل لحوم البشر.

ويرى مراقبون أن هذا التمهيد مخابراتي؛ لامتصاص غضب المصريين من واقعهم الاقتصادي المزري حاليا حيثانهيار القيمة الشرائية للجنيه وغلاء الأسعار وقلة الغذاء ونضوب القمح من مخازن الحكومة، وتراجع حصة مصر من مياه النيل، بما يهدد الزراعات المصرية ويقتل الضرع والحيوانات، ولا يمكن تصور أن يعيشه المواطن المصري محدود الدخل الذي يجري قتله يوميا بسيف الأسعار، حيث يصل كيلو الطماطم لنحو 20 جنيها والباذنجان إلى 30 جنيها واللحوم بـ200 جنيه وكيلو الدجاج الذي يقترب من 50 جنيها، وغيرها من الأسعار التي تُلجأ المصريين للسرقة أو القتل أو النهب من أجل تحصيل طعامهم.

 

أرقام كارثية

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن تضخم أسعار المستهلكين ارتفع خلال شهر مارس  الماضي إلى 12.1% مقابل 4.8% منذ عام و10% خلال فبراير الماضي، كما ارتفع معدل التضخم في المدن إلى 10.5% في مارس من 8.8 % في فبراير.

وأرجع الجهاز هذا الارتفاع في مارس، إلى زيادة أسعار الحبوب والخبز بنسبة 11%، ومجموعة اللحوم والدواجن بنسبة 7%، والألبان والجبن والبيض بنسبة 5% ، والفاكهة بنسبة 4.2%.

وأوضح الجهاز أن ارتفاع تكلفة الطعام والمشروبات خلال مارس على أساس سنوي، كان بنسبة 23.2%، والنقل والمواصلات بنسبة 6.5%، والتعليم بنسبة 13.9%، والرعاية الصحية بنسبة 4%، والمطاعم والفنادق بنسبة 11.2%.

وعلى الرغم من تلك الارتفاعات القياسية بالأسعار إلا أنها تظل أقل من الواقع بمراحل عديدة، حيث تعتمد أرقام الجهاز الحكومي على أسعار أسواق الجملة والتي تقل بمراحل عن أسعار أسواق التجزئة.

وتسبب تخفيض الجنيه للمرة الثانية وارتفاع أسعار الدولار، لانخفاض طلبيات الشركات المصرية من الخارج، مما أدى لقلة المعروض وارتفاع الأسعار محليا.

كما تبرز أزمة رغيف الخبز وقلة مخزون مصر من القمح ، باعتراف رئيس وزراء السيسي، الاثنين الماضي، بأن مخزون القمح يكفي حاليا لتغطية الاستهلاك المحلي لمدة شهرين و18 يوما، وذلك انخفاضا من 4 أشهر بفعل تداعيات الحرب في أوكرانيا، ووقف إمدادات القمح من البلدين اللذين يوفران نحو 80% من واردات القمح المصرية.

 

الشدة المستنصرية

وفي  تمهيد درامي عبر مسلسل "بيت الشدة"، تقوم به المخابرات مالكة شركات الإنتاج الدرامي والقنوات التلفزيونية، بتمهيد الأسوأ القادم على مصر، حيث عرضت الحلقات الأولى من المسلسل المصري "بيت الشدة"، حادثة تاريخية هامة، ستُبنى عليها قصة المسلسل وأحداثه بالكامل، وهي "الشدة المستنصرية"، والتي استوحي منها اسم العمل .

الحلقة الأولى من المسلسل الذي يعرض في رمضان هذا العام، ذكر لفظ "الشدة المستنصرية" التي ضربت مصر، خلال المشهد الذي جمع الثلاثي (الشيخ عبد القادر) "محسن منصور" و(روماني) "مدحت تيخا" و(المعلم مختار) "أحمد وفيق"، حيث تحدثوا عن القصة، ومرجعها التاريخي.

وبدأ (الشيخ عبدالقادر) حديثه الذي وجهه لـ(روماني)، قائلا "البلد دي ياما مر عليها سنين عجاف وكوليرا وحروب وغزوات، ولكن محدش قدر عليها".

ورد (المعلم مختار) قائلا "من ألف سنة وأكتر عدى على ناس المحروسة دي أصعب 7 سنين، وتحديدا عام 1065 ميلادي النيل مياهه جفت، وده كان أيام الحاكم المستنصر بالله÷، الزرع دبل، كيلة الدقيق كانت بتتباع بـ 10 جنيه، الناس عاشت في كرب 7 سنين وفي عز الشدة، الناس أكلت كل حاجة (البهايم والمواشي حتى الكلاب والقطط، ونبشوا القبور) مفيش حاجة كان دابب فيها الروح إلا وكلوها، ووصلت أنهم يرموا الخطاف من أعالي البيوت ويصطادوا بيه الناس اللي ماشية، البيت ده كان معروف ببيت الشدة، وكل الناس كانت بتتخطف من قدامه".

وأخبر (المعلم مختار) صديقه (روماني)، بأن (فلك) "وفاء عامر" وأسرتها بالأحداث من أحفاد ونسل الناس دي، ودول ناس سواد وخراب على الدرب كله.

وأضاف (المعلم مختار) "بيت الشدة ده أيام الشدة المستنصرية كان أشهر بيت، وكان بيلقط أي حد يعدي من تحته بخطاف أو (هلب)، مفيش حد دخله إلا وخرج عضم في شوال".

بهذا الحوار، خلص المشاهد إلى أن "بيت الشدة" اسم المسلسل وسكانه، هم نسل من كانوا يأكلون البشر في هذا البيت، خلال الشدة المستنصرية، التي أتت على الأخضر واليابس.

وعرض المسلسل، مشاهد درامية لأجزاء مما كان يحدث في شوارع مصر وقت المجاعة، مثل اختطاف الناس بالخطاطيف وأكل الميتة، وغيرها من المشاهد الصادمة.

ويعرف عن "الشدة المستنصرية" أنها واحدة من أشهر المجاعات التي ضربت مصر، لمدة 7 سنوات كاملة في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، وهي الفترة التي تنتمي إلى تاريخ الدولة الفاطمية.

وسميت تلك المجاعة بـ"الشدة المستنصرية" نسبة إلى "المستنصر بالله"، حاكم مصر في ذلك الوقت.

وتقول الروايات إن "الدولة بدأت في الضعف والانهيار سريعا، وبدأت في الانهيار والوهن، فانتشر الجوع والفقر والسرقات على مسمع ومرأى من الجميع، وبلغ سعر رغيف الخبز الواحد 50 دينارا.

حتى إن الخليفة "المستنصر بالله" باع كل ما يمتلك، فباع 80 ألف ثوب، و20 ألف سيف، بالإضافة إلى الأحجار الكريمة والجواهر التي يملكها كي ينفق على أسرته ويضمن لها الطعام .

ومن أشهر الذين كتبوا عن "الشدة المستنصرية"، المؤرخ "أحمد بن علي المقريزي" الشهير بـ"تقي الدين المقريزي" الذي ولد في القاهرة عام 1364 وعاش فيها ما يقرب من 80 سنة، وكتب عن أهوال الشدة المستنصرية في كتابه "اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء".

ويقول المقريزي "أكل الناس القطط والكلاب بل تزايد الحال فأكل الناس بعضهم بعضا، وكانت طوائف تجلس بأعلى بيوتها وعليهم سلب وحبال فيها كلاليب فإذا مر بهم أحد ألقوها عليه ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه".

وذكر التاريخ أن الناس كانوا يجلسون فوق أسقف البيوت ويصنعون الخطاطيف والكلاليب لاصطياد المارة بالشوارع من فوق الأسطح، وإذا تمكنوا منهم سحبوا أجسادهم إلى داخل البيوت وذبحوهم وأكلوهم .

ومن بين ما أورده المقريزي في كتابه عن تلك الفترة العصيبة "أكل الناس الجيفة والميتات ووقفوا في الطرقات فقتلوا من ظفروا به، وبيعت البيضة من بيض الدجاج بعشرة قراريط، وبلغت رواية أن الماء بدينار، وبيع دار ثمنها 900 دينار بـ90 دينارا اشترى بها دقيق، وعم الغلاء والوباء وانقطعت الطرقات برا وبحرا، وتصحرت الأرض وهلك الحرث والنسل وخطف الخبز من على رؤوس الخبازين".

 

الرسالة وصلت

ووفق مراقبين فإن ملابسات المسلسل، الذي يستعيد فترة عصيبة، يحمل أبعادا مخابراتية، تريد أن تصبر المصريين على حالهم، وأن عليهم أن يحمدوا ربنا على الفقر والمجاعات التي يحيونها، لأن هناك مصريون سبقونا عاشوا في أزمات اقتصادية أشد وأمر، وتحملوا تلك الأيام وهي رسالة واضخة من المسلسل.

 

الواقع مرير وينبئ بوقوع الشدة

ولكن الغريب في الامر، أن مشاهد الشدة المستنصرية باتت مكررة في مصر في 2022، إثر سياسات السيسي، حيث تعددت حوادث قتل الأب لأبنائه وزوجته واننتحاره هروبا من الفقر والعوز، وباتت البيضة تباع بنحو 3 حنيهات، وبات كيلو الأرز يباع بـ15 جنيها، وهو ما يفوق تحمل الكثير من الأسر التي يضرب الفقر أكثر من 60% من المصريين، وتنهش البطالة أكثر من 35% من قوة العمل الرئيسية، إثر سيطرة الجيش على أكثر من 65% من اقتصاد مصر ومشاريعها بالأمر المباشر.

وفي هذا السياق،  تضرب مصر أكبر تهديد بتقلص مخزونات الغذاء  في مصر ، وخاصة القمح ، فوفق الخبير الاقتصادي مصطفى عبد السلام، تعد مصر أكبر مستورد للقمح والزيوت في العالم، وهي رقم صعب في تجارة الحبوب الدولية، فحصتها تتجاوز 10% من تجارة القمح على مستوى العالم، ولذا من حقها أن تنزعج من طول أمد الحرب الأوكرانية والتي تسببت في حدوث قفزات في أسعار الحبوب وتعقيدات في الإمدادات الغذائية.

ومع احتمال بقاء الحرب شهورا وربما سنوات أخرى، فإن هذا يسبب إرهاقا للموازنة المصرية، خاصة وأن فاتورة واردات مصر من الأغذية تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار سنويا، إضافة إلى أن 80% من واردات مصر من القمح تأتي من الدولتين المتحاربتين، والنسبة الباقية تتوزع بين 12 دولة أخرى.

ومن المتوقع مع الأزمة الدولارية، تعطل شحنات القمح القادمة من منطقة البحر الأسود خاصة من أوكرانيا.

كما ظهرت مخاوف على إمدادات مصر من الغذاء من الدولتين المتحاربتين في ظل التراشق الروسي الأوكراني الأخير حول حقيقة منع روسيا سفينة شحن محملة بالقمح الأوكراني من التوجه إلى مصر، مع تأكيد من كييف وواشنطن لهذا الأمر، ونفي من موسكو التي لم تتوقف عند النفي بل شددت على أن الأسطول البحري الروسي يضمن حرية حركة السفن التجارية.

ولعل ما يزعج القاهرة أكثر انخفاض المخزون الإستراتيجي من القمح والذي بات يغطي شهرين ونصف تقريبا حسب بيانات رسمية، وهو أقل بكثير من المستويات الأخيرة، كما يتناقض مع حالة الطمأنة الصادرة مؤخرا من كبار المسؤولين حول الأمن الغذائي وتوافر احتياطي يغطي احتياجات 6 شهور وربما أكثر، على أن يرتفع الرقم إلى 9 شهور عقب جمع أكثر من 4 ملايين طن قمح من المزارعين من بين 10 ملايين طن هو الحجم المتوقع من الإنتاج المحلي لهذا العام.

وبجانب القمح وأزماته تواجه مصر أزمة نفاد الأدوية والكثير من مخزونات الأطعمة ما يهدد مصر بشد من الشدة المستنصرية ، وهي  "الشدة السيساوية ".