كلام مصاطب .. “5” ملاحظات على تصريحات السيسي بالمنوفية

- ‎فيتقارير

التصريحات التي أطلقها زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي الإثنين 13 يونيو 2022م خلال افتتاح مزرعة مواشي بمحافظة المنوفية تثير كثيرا من الغرابة والاندهاش؛ فالسيسي يطالب المصريين بعدم الشكوى من الارتفاع الجنوني في أسعار السلع والخدمات مدعيا أنه ليس هو ولا سياساته وتبنيه شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي هي السبب في الأزمة لكنها الأزمة الاقتصادية العالمية التي تسببت في هذا التدهور الحاد في الأوضاع المالية والاقتصادية!

ويمكن رصد الملاحظات الآتية في كلام السيسي:

أولا، تصريحات السيسي كلام مصاطب لا يمكن مطلقا أن يصدر من مسئول رسمي فضلا عن صدوره عن شخص يفترض أنه رئيس أكبر دولة عربية وأكبر عقلية فذة عبقرية داخل الجيش المصري؛ فإذا كان السيسي هو قمة الذكاء والعبقرية في الجيش المصري فعلى الجيش كله السلام؛ لأنه برهن أنه يجمع كل سمات الغباء والقبح والخيانة وسوء  الأخلاق حتى لو تظاهر بغير ذلك مدعيا الذكاء والحسن والوفاء والاستقامة.

فالسيسي يهذي ولا يدري ــ من شدة الصدمة ـ ما يقول؛ إذ كيف يطالب مسئول بعدم مساءلته أو محاسبته إلا عندما يرتفع الدخل إلى حد معين؟  يقول السيسي: ""لسه عظمنا مانشفش، ولما يبقى دخلي تريليون دولار في السنة ابقوا حاسبوني"! هذا كلام الفاشل العاجز؛ لأنه يريد أن يتعلق بشماعة الفشل الاقتصادي الذي تسبب هو فيه بالتهرب من المساءلة والحساب، رغم  أنه أصلا فوق المساءلة والحساب؛ فالسيسي يضع نفسه في مرتبة نصف إله؛ وليس في مصر مؤسسة قادرة على مساءلته أو محاسبته؛ وبالتالي فكلامه هو نوع من الهروب والقفز للمجهول. وليس دور المسئول التمني الأحلام بل وضع الخطط واختيار الأكفاء المحترفين لزيادة موارد الدولة؛ فهل تزيد موارد الدول بالأحلام والأماني؟! "وكيف تحقق الدولة تريليون دولار سنوياً؟ الوعود جميلة، ولكن من الأفضل تحويلها إلى خطة عمل، وخريطة طريق توضح كيف ومتى يصل الدخل القومي إلى تريليون دولار؟ لا يمكن تحقيق الأهداف قبل تكليف فريق عمل من الكفاءات، وتغيير المنظومة القانونية والإدارية لاقتصاد مصر".

ثانيا، الإعلان بشكل واضح عن العجز والفشل؛ فرغم تدهور الأوضاع في كل قطاعات الدولة إلا  أن هذا هو أفضل أداء على الإطلاق؛ وهذا قمة الاعتراف بالعجز والفشل؛ فإذا كان غير قادر وهو كذلك بالفعل فليرحل. ويعترف بفشل مشروعات الدولة في القطاع الحيواني؛ مضيفا: «لو كان معدل نمو الإنتاج الحيواني المحلي بنفس معدل الزيادة في السكان، كان من الممكن أن نحافظ على الأسعار. نسعى لزيادة نمو الإنتاج من الدواجن أو اللحوم.. وكنا نتحدث عن مشروع المليون رأس ماشية، ولكن ما استطعنا الوصول إليه هو 71 ألف رأس فقط". وأكمل: "نستهدف إنتاج سلالات متقدمة في اللحوم، ونتمنى أن يكون القطاع الخاص معنا في هذه المشاريع، لامتلاكه آليات عمل وإجراءات أفضل منا»!  يقول السيسي: «ده أقصى حاجة ممكن نعملها عشان الأسعار ماتقفزش، ونحافظ على محدودي الدخل في مصر. أسعار الطاقة في الخارج ارتفعت جداً، وظهر مردودها على وسائل النقل والمواصلات، وفي كل المنتجات والسلع. وحجم سكان مصر زاد للغاية في الـ50 عاماً الأخيرة، لكن قدراتها ومواردها لم تواكب هذه الزيادة، (فغصب عنك وعننا مش هاينفع نعمل معدلات عمل متسارعة)"، على حد تعبيره.

ثالثا، رصد المشاكل وعدم طرح أي حلول علمية مخطط لها؛ وكان السيسي قد قاطع كلمة وزير الزراعة، السيد القصير، قائلاً: "بقولك إيه، هما (المواطنين) بيقولوا برضوا ما زالت أسعار اللحمة غالية. عاوزين بس نرد عليهم، ونفهمهم الإجراءات اللي عملناها في الكام سنة اللي فاتت. وخلوا بالكم فضل ربنا كبير علينا، لأننا مررنا بأزمتين كان لهما تأثير كبير على العالم كله، وهما جائحة كورونا وحرب أوكرانيا". بل إن السيسي يتعلق بأوهام عندما يقول: "أنام وأحلم بدخل تريليون دولار سنوياً، و10 تريليونات كمان، وهذا ليس ببعيد على الله سبحانه وتعالى، والأهم الآن هو الحفاظ على حالة الاستقرار في الدولة، وتجنب الضغط على المواطنين. ومش بقول كده عشان استقراري في الحكم، لا والله، أنا بتكلم عن حالة الرضا المجتمعي، والاستقرار لـ100 مليون مصري".

رابعا، يستخدم السيسي الكذب في حديثه عن قطاع الطاقة والكهرباء زاعما أن "تكلفة الطاقة من أسباب الزيادة في الأسعار، ولو تعاملت مصر طبقاً للأسعار العالمية لحدثت قفزة كبيرة جداً في التكلفة، فمن ينقل منتجاته داخل مصر لا يزال يدفع 50% من تكلفة الوقود، حيث وصل سعر البنزين إلى دولارين في الخارج، أي ما يعادل 40 جنيهاً". وواصل: "برميل النفط تجاوز الـ120 دولاراً، ومن الممكن أن يصل إلى 150 دولاراً، والحكومة في مصر حريصة على أن تجعل أسعار الوقود والطاقة في متناول المواطنين. وتحدثت مع رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، وقلت له هذه ثالث مرة نؤجل فيها برنامج تحرير أسعار الكهرباء مراعاة لأوضاع الناس". وزاد السيسي: "نتحدث عن 17 مليون مشترك (وحدة) يدفعون أقل من 50% من أسعار الطاقة، ومش بقول كده لأن الدولة (تمن على شعبها)، ولكن حتى نجعل فاتورة الأعباء ممكنة ومناسبة لكل المواطنين. وتكلفة إنتاج الكهرباء زادت لأن الغاز المستخدم في محطاتها ارتفع بدوره، والوحدة التي كان يبلغ ثمنها 5 دولارات وصلت حالياً إلى 21 دولاراً"، على حد قوله.

ويتناقض حديث السيسي كلياً مع الزيادات المرتقبة في أسعار الكهرباء للاستهلاك المنزلي، للمرة التاسعة توالياً منذ توليه الحكم عام 2014، على الرغم من عدم اعتماد حكومته أي مخصصات مالية لدعم بند الكهرباء منذ 3 سنوات، حيث سجلت المخصصات "صفراً" في مشروع الموازنة الجديدة (2022-2023)، وكذلك في الحسابات الختامية لموازنتي 2019-2020 و2020-2021 على الترتيب.

وبداية من فاتورة شهر يوليو المقبل، سيرتفع سعر الكيلوواط للشريحة الأولى من الاستهلاك المنزلي للكهرباء من 48 قرشاً (الجنيه = 100 قرش) إلى 58 قرشاً بزيادة 20.8%، والشريحة الثانية من 58 قرشاً إلى 68 قرشاً بزيادة 17.2%، والشريحة الثالثة من 77 قرشاً إلى 83 قرشاً بزيادة 7.8%، والشريحة الرابعة من 106 قروش إلى 111 قرشاً بزيادة 4.7%، والشريحة الخامسة من 128 قرشاً إلى 131 قرشاً بزيادة 2.3%.

خامسا، السيسي فشل فشلا ذريعا في كافة ملفات الدولة؛ ووجوده أصبح بحد ذاته تهديدا للأمن القومي المصري؛ والمشكلة أنه لن يغادر السلطة بطريقة سلمية؛ لأنه لم يأت إلى  السلطة بطريقة سلمية؛ فقد اغتصبها بانقلاب عسكري ارتكب خلالها آلاف الجرائم الوحشية وسفك دماء عشرات الآلاف. فلو جاء بانتخابات نزيهة وديمقراطية صحيحة لقلنا إن الشعب قادر على الإطاحة به وانتخاب غيره وفقا للأدوات الدستورية والديمقراطية؛ لكن السيسي اغتصب السلطة اغتصابا بانقلاب عسكري؛ ثم دمر جميع مقومات المجتمع السياسية وأمم الفضاء السياسي والإعلامي؛ وأجرى تعديلات دستورية تمنحه سلطات فرعونية مطلقة؛ وبالتالي فإن تغيير السيسي بطريقة سليمة هو أمر مستبعد يكاد يصل إلى درجة الوهم والمستحيل؛ فالسيسي لن يترك السلطة مطلقا بطريقة سلمية؛ فالسيسي لن يترك الحكم إلا بالموت الطبيعي أو القتل أو انقلاب عسكري أو ثورة شعبية.