عوائق نجاح المؤتمر الاقتصادي المصري

- ‎فيمقالات

دعا عبد الفتاح السيسي خلال افتتاحه القرية الأوليمبية لهيئة قناة السويس قبل أيام إلى عقد مؤتمر اقتصادي يشارك فيه المتخصصون والمعارضون، لبحث الأوضاع الاقتصادية الصعبة بالبلاد، وذلك جنبا إلى جنب مع الحوار الوطني الجاري حاليا، الذي يتضمن ضمن محاوره المحور الاقتصادي.

 

وذلك بالإضافة إلى حوار ثالث دائر منذ أسابيع بين الحكومة والقطاعات الاقتصادية الخاصة المختلفة حول وثيقة سياسة ملكية الدولة، لتحديد القطاعات الاقتصادية التي ستستمر بها الجهات الحكومية، خاصة الجيش، والقطاعات التي يشارك فيها القطاع الخاص، والقطاعات التي تُترك للقطاع الخاص والمدد الزمنية لتنفيذ تلك الإجراءات.

 

إلا أن هناك صعوبات عديدة تواجه إمكانية نجاح ذلك الحوار الاقتصادي:

 

أولا: عدم سماع النظام الحاكم الرأي الآخر

هناك تجاهل واضح للرأي الآخر حتى ولو كان من مناصريه، ومن ذلك الرؤية الاقتصادية التي قدمها حزب التجمع عام 2016 لرئاسة الجمهورية بديلا عن "روشتة" صندوق النقد الدولي، إلا أنه لم يتلق أي رد.

 

استمرار الهجوم الإعلامي على الآراء المخالفة لتوجهات النظام الحالي الاقتصادية والمطروحة من قبل أنصار النظام، فما بالنا بمعارضيه؛ أدى إلى توقف الكتابة الدورية بالصحف لبعضهم، مثلما حدث مع الدكتور إبراهيم العيسوي الخبير بمعهد التخطيط القومي بجريدة الشروق، في أبريل/نيسان 2015، بعد مقالاته لتقييم المؤتمر الاقتصادي الذي انعقد في شرم الشيخ وقتذاك. وحدث أيضا مع الدكتور محمود عمارة منذ مارس/آذار 2016 بعد كتاباته عن مشروع استصلاح مليون ونصف مليون فدان. والدكتور هاني سري الدين الرئيس الأسبق لهيئة الرقابة المالية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016. والدكتور أحمد جلال وزير المالية الأسبق في يوليو/تموز 2020 بعد مقاله عن إدانته الدكتاتورية بأميركا اللاتينية واستعراضه سمات الدكتاتور.

 

كذلك تضاؤل الفعاليات الاقتصادية التي كانت تقوم الجهات البحثية في فترة الرئيس الراحل حسني مبارك، مثل معهد التخطيط القومي والمراكز الاقتصادية بجامعة القاهرة.

 

ثانيا: ازدواج غير صحيح لقناة السويس وبيانات اقتصادية عديدة غائبة

استمرار النظام الحالي على قناعاته نفسها التي لم تلق قبولا من المتخصصين؛ ففي الندوة التي تم خلالها طرح الدعوة للمؤتمر الاقتصادي، دار حديث عن جدوى قناة السويس الجديدة التي تم افتتاحها عام 2015، وأنها أسهمت في زيادة إيرادات القناة وعدد السفن العابرة لها، رغم تصريح المهندس محمد عزت عادل الرئيس الأسبق لهيئة قناة السويس لجريدة الأخبار الحكومية في السادس من أغسطس/آب 2015، بأنها مجرد تفريعة للقناة وبداية ازدواج للقناة.

 

والغريب أن الصحف الحكومية نشرت في اليوم التالي "لتصريحات الجنرال" الأخيرة أن ازدواج القناة سيكتمل منتصف العام المقبل، رغم أن تلك الصحف ظلت منذ عام 2015 وحتى قبل تلك الاحتفالية تتحدث عن أن قناة السويس الجديدة -كما أسموها- تمثل ازدواجا للمرور بالقناة، ورغم أن تلك القناة المزعومة طولها 72 كيلومترا وطول القناة الأصلية 193 كيلومترا، وحتى الحديث عن الازدواج منتصف العام القادم غير صحيح أيضا.

 

السبب في ذلك أن 40 كيلومترا التي يجري العمل حاليا على تطويرها جنوب القناة سيتم عمل ازدواج في 10 كيلومترات منها، وباقي المسافة سيتم تعريض المجرى الملاحي بها فقط دون ازدواج، لتظل مسافة 30 كيلومترا بالقناة بعد انتهاء تلك الأعمال غير مزدوجة.

 

كثيرا ما كرر الخبراء أن الحركة بالقناة مرتبطة بالتجارة الدولية صعودا وهبوطا، ولهذا انخفضت إيراداتها بعد افتتاح التفريعة السابعة المسماة "قناة السويس الجديدة" نظرا لتراجع التجارة الدولية حينذاك، بينما تسببت أزمة نقص الطاقة في أوروبا بعد الحرب الروسية الأوكرانية في زيادة معدلات استيراد النفط والغاز من دول الخليج العربي وغيره، مما زاد حركة ناقلات النفط والغاز بالقناة لترتفع إيراداتها، مع رفع رسوم العبور أكثر من مرة.

 

ومع ذلك، فلم تحقق القناة حتى الآن المعدلات السنوية التي أعلنت عند بدء العمل بالتفريعة السابعة، ففي العام المالي 2022/2021 بلغ عدد السفن المارة بالقناة 22 ألفا و32 سفينة، وحجم الحمولة الصافية 1321 مليون طن والإيرادات 7 مليارات دولار، في حين تضمنت التوقعات التي تم إعلانها مسبقا بلوغ معدلات عام 2022 مرور 32 ألفا و850 سفينة بحمولة 1830 مليون طن بإيرادات 12 مليار دولار.

 

كذلك ما ذكره "الجنرال" في الاحتفالية بأن تنفيذ جميع المشروعات قد تم بناء على دراسات علمية دقيقة، وهو ما يخالف ما صرح به رئيس هيئة القناة الفريق مهاب مميش وقت تنفيذ قناة السويس الجديدة، لجريدة المصري اليوم في التاسع من أغسطس/آب 2016، بأنه عرض فكرة تلك القناة الجديدة على الرئيس بالتليفون مساء، وفي الصباح تلقى مكالمة منه قال فيها "أنت نمت؟ أنا معرفتش أنام، يالا نفذ المشروع"!

 

ثالثا: من سيحضر المؤتمر؟

من سيحضرون المؤتمر الاقتصادي المقترح، سواء كانوا من المؤيدين أو المعارضين ليست لديهم سوى البيانات الرسمية التي لا تجد قبولا لدى كثير من المتخصصين، مثل معدلات النمو والتضخم والبطالة والفقر وغيرها، وهو أمر أشبه بمريض لا توجد دقة في تقارير تحاليله الطبية وحالة ضغط دمه والأشعات التشخيصية له، فمن الطبيعي أن يؤثر ذلك على التشخيص الصحيح لمرضه وكيفية علاجه.

 

إلى جانب نقص كثير من البيانات الحكومية، فختام موازنة العام المالي 2021-2022 لم يُعلن بعد، وتفاصيل موازنة العام المالي الحالي والخاصة بالوزارات والهيئات الخدمية والإدارة المحلية لم تُعلن بعد، كذلك انقطاع تقارير المتابعة التي تمثل التنفيذ العملي للخطة، حيث إن آخر تقرير متابعة متاح يعود للعام المالي 2018-2019.

 

بل إن بيانات الدين العام المحلي غائبة منذ يونيو/حزيران 2020، والبيانات التفصيلية للسياحة غير متاحة منذ 2018، وكذلك بيانات القطاع التعاوني، خاصة التعاون الاستهلاكي والإسكاني والإنتاجي.

 

رابعا: محدودية الإطار الاقتصادي

هناك محدودية واضحة للإطار الاقتصادي الذي سيتم حوله الحوار الاقتصادي، فهناك مناطق معتمة وربما محظورة تمثل جانبا كبيرا من الاقتصاد المصري، مثل اقتصاد الجيش ونشاط صندوق مصر السيادي، ونشاط صندوق "تحيا مصر" وأنشطة الصناديق والحسابات الخاصة بوحدات الجهاز الإداري للدولة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات العامة، وكل تلك الجهات لا تعلن شيئا عن قوائمها المالية.

 

وآخر بيانات أعلنتها وزارة المالية حول الصناديق الخاصة تعود لنهاية أغسطس/آب 2016، وأن عددها 7282 صندوقا تصل أرصدة حساباتها بالبنك المركزي إلى 53 مليار جنيه حينذاك، وعندما طلبت وزارة المالية من الجهات الحكومية بيانات عما بها من صناديق خاصة لم تتلق ردا من 532 جهة.

 

خامسا: غموض التوجه الاقتصادي للدولة

هنا يصبح السؤال: هل سيناقش المؤتمر الاقتصاد المصري كل مكوناته المذكورة سابقا والموجودة معظمها خارج الموازنة العامة للدولة، أم أن النقاش سيقتصر على الجهات الخاضعة للموازنة العامة للدولة فقط؟ مع الأخذ في الاعتبار أن الهيئات الاقتصادية -والبالغ عددها 58 هيئة وقيمة أصولها 2.175 تريليون جنيه منتصف عام 2020– لا تخضع للموازنة العامة.

 

فرغم اتباع الدولة برنامجا اقتصاديا مع صندوق النقد الدولي منذ عام 2016، مما يعني اتباع نمط الاقتصاد الحر الذي يقوم القطاع الخاص فيه بالدور الرئيسي، فقد تغول النشاط الاقتصادي للجهات التابعة للحكومة والجيش بعد الاتفاق.

 

كما تسعى الدولة حاليا لقرض جديد منذ مارس/آذار الماضي، ومع ذلك فقد اتخذت خطوات تتعارض مع الاقتصاد الحر، ومنها العودة للتوريد الإجباري للمحاصيل مثلما فعلت مع القمح والأرز، والتسعير الجبري، وإجراءات تقييد الواردات والتحكم الإداري في سعر الصرف.

 

سادسا: فقدان الثقة والحاجة لبراهين عملية

تشير إلى أن الدولة بالفعل تتجه إلى تغيير سياساتها الاقتصادية، التي تهيمن الجهات الحكومية على الجزء الأكبر من أنشطتها الاقتصادية، فكيف تتم دعوة الاقتصاديين للحوار وهناك اتفاق مرتقب مع صندوق النقد الدولي سيتم الالتزام بما فيه من شروط للقرض الجديد، وبالتالي فإن أي اقتراحات لهؤلاء الاقتصاديين في المؤتمر المزمع عقده تخالف "روشتة" الصندوق فلن تجد مجالا لتنفيذها.

 

مع خشية البعض من تكرار ما حدث من الرئيس الأسبق حسنى مبارك حينما دعا إلى مؤتمر اقتصادي، لكنه لم يلتزم باقتراحات الاقتصاديين المصريين وذهب لصندوق النقد الدولي ليتبع "روشتته" للإصلاح حينذاك.

 

والبعض الآخر يرى من الدعوة للحوار الوطني في الشهور الأخيرة، بل ومن زيادة مقررات البطاقات التموينية من الشهر الحالي ولمدة 6 أشهر، ومن الدعوة لمؤتمر اقتصادي؛ أنها تمثل في مجملها سعيا من قبل النظام لكسب الوقت وتهدئة الأوضاع الداخلية حتى يمر مؤتمر المناخ العالمي الذي سينعقد بمصر في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، والذي يعول عليه النظام للحصول على دعم دولي ولو معنويا.

 

ويأتي كل هذا بعد ذيوع التقارير الدولية العديدة التي حذرت من ضخامة الديون الخارجية لمصر وتزايد احتمالات عدم القدرة على سدادها، والتقارير التي تتوقع اضطرابات اجتماعية بسبب الغلاء في العديد من البلدان النامية، بل والأوروبية في الفترة المقبلة.

………….

نقلا عن "الجزيرة مباشر"