قضاة السيسي يسقطون.. وقوع مستشار جديد بتهمة رشاوى وقضايا فساد مدوية

- ‎فيتقارير

يعتبر الحليف الأقوى في التنكيل بالشعب المصري عقب الانقلاب العسكري في يوليو 2013 هم القضاة، حيث بدأ السيسي منذ اللحظة الأولى باستبعاد وعزل القضاة الوطنيين من رافضي الانقلاب وغيرهم من الذين تجمعوا في مطعم أرمادا والبالغ عددهم العشرات ليوقعوا وثيقة ترفض الانقلاب العسكري ليبلغ عددهم فيما بعد نحو 75 قاضيا، ليشرع لهم السيسي لجان تأديبية تم تشكيلها من مجلس القضاء الأعلى ليقرر إحالة 59 قاضيا منهم للتقاعد، فيما تسارع الباقون لعقد صفقة تصالح.

 

وعقب الإطاحة بهؤلاء القضاة الشرفاء، خلت الساحة تماما لقضاة السيسي الذين تسارعوا للحصول على المناصب والأموال نظير تخليهم عن شرفهم وحنثهم باليمين الذي حلفوه بحماية الدستور والقانون، فما بين التنكيل بالمعارضين وإصدار أحكام جائرة وظالمة، وصلت إلى إزهاق الأرواح عبر إعلان عشرات الأحكام من الإعدامات على مواطنين أبرياء، من أجل المناصب والترقي.

 

لكن فتنة المناصب لم تكن كافية لهؤلاء الجشعاء التي تمتلأ أعينهم  بالطمع ولا يكفيها إلا التراب، فبينت الأيام وقوع العديد منهم في تهم فساد، لم يستطع السيسي وشركاؤه التستر عليها فما إن فاحت رائحتها وأصبحت أحاديث في أفواه العامة حتى تصدر قرارات متأخرة بمحاسبة هؤلاء الفاسدين، الذين يتساقطون واحدا تلو الآخر بعدما رفع الله عنهم ستره.

 

قضية فساد جديدة

 

وقائع عدة لقضاة  السيسي وراء القضبان أعادها لذاكرة المصريين إلقاء القبض على القاضي رئيس محكمة ونجل رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق وعضو مجلس الشورى السابق، إلى المحاكمة الجنائية وذلك لقيامه بالتلاعب في حكمين قضائيين لمصلحة رجال أعمال، في مقدمتهم رجل الأعمال الشهير محمود حسنين علم الدين عضو مجلس إدارة اتحاد الصناعات التجارية ورئيس مجلس إدارة شركة رويال إنترناشيونال للكيميائيات، وذلك لتمكينهم من التهرب من سداد مستحقات للدولة بأكثر من 50 مليون جنيه قيمة تحويل 107 رخص لمنشآت من سكني إلى تجاري.

 

حملت القضية الرقم 1164 لسنة 2024 كلي غرب القاهرة وقيدت برقم 64 لسنة 2024 جنايات أموال عامة عليا، وتم التحقيق فيها تحت إشراف المستشار معتز الحميلي المحامي العام الأول لنيابة الأموال العامة العليا.

 

المتهم الأول والرئيسي في القضية هو القاضي شريف إدوار غالي بطرس الدهبي، 48 سنة، رئيس الدائرة 62 مدني كلي حكومة شمال القاهرة، وهو نجل المستشار إدوار غالي بطرس الدهبي رئيس هيئة قضايا الدولة الأسبق، والذي عين رئيسا للهيئة بدءا من أول يوليو 1990 بموجب قرار جمهوري من الرئيس الراحل المخلوع حسني مبارك، حمل الرقم 304 لسنة 1990، كما عين عقب انتهاء رئاسته للهيئة عضوا بمجلس الشورى عن الحزب الوطني المنحل.

 

وقد شارك القاضي في الجريمة ومتهم معه في ذات القضية هو “محمد عبدالرحمن جمعة، 45 سنة، محامٍ حر”، ووجهت نيابة الأموال العامة إلى المتهم الأول تهمة أنه بصفته موظفا عاما حصل لغيره دون وجه حق على منفعة من عمل من أعمال وظيفته، وكان ذلك بأن استغل اختصاصه بتصحيح ما يقع من أخطاء مادية في الأحكام الصادرة من الدائرة رئاسته، وأجرى تصحيحا بالحكمين الصادرين في الدعويين رقمي 1725 و2717 لسنة 2013 مدني كلي شمال القاهرة، والمقضي فيهما بأحقية المدعين في تعديل استخدام العقارات المملوكة لهم من سكني إلى تجاري.

 

وأثبت بتصحيح الحكمين المشار إليهما عدم استحقاق محافظة القاهرة لأي رسوم مقابل تغيير الاستخدام من سكني إلى تجاري بالمخالفة للقانون، مما عاد بمنفعة على موكلي المتهم الثاني تمثلت في إعفائهم من سداد الرسوم المستحقة عن تغيير نشاط الوحدات المملوكة لهم من سكني إلى تجاري بغير حق.

 

إدانة صاحب مقولة “لا أحد سينزل معنا في القبر”

 

ويعتبر القاضي سامي محمود عبدالرحيم أحد القضاة المرتشين والذين صدرت منهم أحكاما ظالمة ضد المعتقلين وصلت مابين المؤبد والإعدام، ولعل دعوة من أحد هؤلاء الضحايا قد أصابته ليلقى مصير العدالة الإلهية ليس على ما قام  به من جرائم فساد ورشوة وحيازة مخدرات، ولكن على الدماء والتنكيل بالمواطنين الأبرياء.

 

وقضت محكمة جنايات القاهرة على عبد الرحيم بالسجن المشدد 24 عاما وغرامة 3 ملايين و610 آلاف جنيه لاتهامه بتقاضي رشوة وحيازة مخدرات وسلاح وذخائر، كما أصدرت المحكمة الاقتصادية في وقت سابق قرارا بمصادرة ممتلكات القاضي وجميع أفراد أسرته، وعزل نجله من النيابة العامة والحكم بعدم صلاحيته بسبب والده المرتشي.

 

وأصدر القاضي المتهم أثناء رئاسته عددا من المحاكم الجنائية بعض الأحكام الشهيرة في قضايا ذات طابع سياسي، مثل إعدام عادل محمد إبراهيم الشهير بـ”عادل حبارة”، لاتهامه بقتل مخبر شرطة في وحدة مباحث أبو كبير بمحافظة الشرقية عمدا مع سبق الإصرار والترصد بسلاح ناري، وهو ما نفاه المتهم وحقوقيون.

 

كما أصدر حكما بمعاقبة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور محمد بديع والقياديين في ثورة 25 يناير الدكتور محمد البلتاجي والشيخ صفوت حجازي و16 آخرين بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما.

 

وأثناء نظر

وأثناء نظر عبد الرحيم إعادة محاكمة الدكتور بديع في قضية اقتحام قسم العرب ببورسعيد شرق القاهرة عندما اشتكى الأخير من أنه تعرض للظلم باتهامه في القضية المشار إليها، وقال القاضي: “إن المحكمة لا تظلم أحدا، وماحدش هينزل معنا القبر”.

 

الإعدام للقاضي المرتشي قاتل زوجته المذيعة

 

وكأن القضاة في زمن السيسي أصبحوا تجردوا من الإنسانية ليست فقط بحق الشعب بل بأقرب الناس إليهم، ليقدم القاضي أيمن حجاج بتهمة قتل زوجته المذيعة شيماء جمال بجريمة مروعة تشمئز لها القلوب والأبصار.

 

والشهر الماضي أيدت محكمة النقض، حكم الإعدام شنقا للقاضي أيمن حجاج، المدان بقتل زوجته المذيعة شيماء جمال، وشريكه حسين الغرابلي، ليصبح هذا الحكم نهائيا وغير قابل للطعن.

 

تعود أحداث القضية إلى يونيو 2022، عندما عثرت أجهزة الأمن على جثمان المذيعة شيماء جمال مدفونا في مزرعة جنوب محافظة الجيزة، وتبين لاحقا أن القاضي كان قد تزوجها عرفيا قبل سنوات من الحادثة، لكن نشبت خلافات بينهما أدت إلى ارتكابه الجريمة بمساعدة شريكه حسين الغرابلي.

 

وقبل اكتشاف الجريمة، تقدم حجاج ببلاغ للشرطة يفيد بتغيب زوجته في محاولة لصرف الشبهات عنه، لكن أجهزة الشرطة تمكنت من كشف ملابسات الحادث بعد شهادة أحد الشهود التي أثبتت تورط القاضي في الجريمة.

وقائع متكررة

 

    أطاح طلب رشوة جنسية بالمستشار رامي عبد الهادي رئيس محكمة جنح مستأنف مدينة نصر في عام 2015 من منصة القضاء، وكان من أبرز الأحكام المثيرة للجدل التي أصدرها عبد الهادي قبول تظلم الرئيس الراحل محمد حسني مبارك على قرار حبسه في قضية الاستيلاء على المال العام والتربح والكسب غير المشروع وإخلاء سبيله.

    في عام 2016، صدر القرار الجمهوري باستبعاد القاضي ناصر عبد الرحمن جابر من القضاء عبر التقاعد، بعد نشر عدة صور فاضحة له في ملهى ليلي، تنفيذا لحكم مجلس تأديب أعضاء مجلس الدولة (محكمة القضاء الإداري).

    وفي عام 2017، كان اسم المستشار أيمن شلبي أمين عام محكمة القضاء الإداري السابق يملأ وسائل الإعلام المصرية، عقب القبض عليه من قبل هيئة الرقابة الإدارية (أعلى الهيئات الرقابية بالبلاد) في القضية المعروفة إعلاميا بقضية الرشوة الكبرى، وذلك قبل أن ينتحر.

    وما زال اسم القاضي السابق طارق محمد زكي مرتبطا إعلاميا باسم “قاضي الحشيش”، والذي أيدت محكمة النقض (أعلى محكمة بالبلاد) في عام 2020 الحكم الصادر ضده من محكمة الجنايات بمعاقبته بالسجن المؤبد 25 عاما، لإدانته بالاتجار وحيازة الحشيش وسلاح غير مرخص، وتأليف تشكيل عصابي.

    وفي يوليو 2021 ، قضت محكمة جنايات بني سويف (جنوبي مصر) بالسجن المشدد 10 سنوات والعزل من الوظيفة على القاضي أحمد عمر توفيق رئيس محكمة باستئناف القاهرة، لاستيلائه على أوراق 3 قضايا جنائية من محكمة استئناف بني سويف، وانتحاله صفة مستشار بالتفتيش القضائي.

    وفي عام 2022 تم القبض على مالك شقة الزمالك، المستشار أحمد عبد الفتاح، نائب رئيس مجلس الدولة السابق، والمستشار الفني لرئيس المحكمة الدستورية بدولة الكويت، والتي برر فيها حيازته لآلاف التحف والقطع الأثرية بأن لديه هواية مرضية لجمع الأعمال الفنية، وكان ينوي عمل متحف خاص به، ليتم الحكم عليه هو وزوجته بالسجن 5 سنوات.

 

البعد السياسي

 

من جانبه، تحدث القاضي السابق وأحد قيادات تيار الاستقلال القضائي بمصر، محمد سليمان، عن البعد السياسي لتسييس القضاء بالإشارة إلى مشاركة رئيس مجلس القضاء الأعلى في بيان 3 يوليو 2013 الذي انقلب على  الرئيس الشهيد الدكتور  محمد مرسي.

 

وفي حديث صحفي يعتقد سليمان أن القضاة تعرضوا لضغوط شتى دفعت بعضهم إلى الجريمة، وأن التعامل الحكومي مع القضاة يتم بسياسة سيف المعز وذهبه.

 

فيما يرى الحقوقي والمحامي بالنقض علاء عبد المنصف أن هذه الحالات تؤثر تأثيرا مباشرا وغير مباشر على السلطة القضائية برمتها، أو بشكل أدق على منظومة العدالة بمصر، حيث يلقي في روع بعض الناس أن العمود الفقري للعدالة فيه خلل، وأن هذه السلطة التي يستجدي الناس جميعا استقلالها عن السلطة التنفيذية، باتت ترتكب نفس الأخطاء التي ترتكب من التنفيذيين ورجال السلطة العامة.

 

ويشير الحقوقي إلى أن ذلك قد يوحي لبعض الناس أن اللجوء إلى القضاء ليس هو الحل الأنجع، لأن هناك حالات كثيرة أو قليلة من القضاة ترتكب نفس الجرائم التي ترتكب من عموم الناس، كجرائم القتل والنصب والرشوة والاشتراك في السرقة.