أثار فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية تساؤلات حول التزامه بتنفيذ تصريحاته خلال حملته الانتخابية، والتي تعهد فيها بوقف الحرب في كل من قطاع غزة ولبنان وأوكرانيا، فيما قلل الخبراء من أهمية هذه التصريحات واعتبروها مجرد دعاية انتخابية لكسب أصوات الأمريكيين من أصول عربية وإسلامية.
وقال الخبراء إن عودة ترامب إلى البيت الأبيض لن توقف الانحياز الأمريكي الواضح إلى جانب دولة الاحتلال والدفاع عنها.
وكان ترامب قد تعهد في مناسبات عديدة بأنه في حال فوزه بالرئاسة مجددًا سيعمل على وقف الحروب في الشرق الأوسط، خاصة في قطاع غزة الذي يتعرض لحرب واسعة النطاق منذ أكثر من عام، ما تسبب في دمار واسع في القطاع واستشهاد ما يزيد عن 43 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 102 ألف آخرين.
مواقف إجرامية
في المقابل، قال القيادي الكبير في حركة “حماس” سامي أبو زهري إن فوز المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب بالمنصب يجعله أمام اختبار لترجمة تصريحاته بأنه يستطيع وقف الحرب خلال ساعات.
وأضاف أبو زهري في تصريحات صحفية، أن خسارة الحزب الديمقراطي هي الثمن الطبيعي لمواقف قيادته الإجرامية تجاه غزة.
ودعا ترامب إلى الاستفادة من أخطاء الرئيس الديمقراطي جو بايدن.
صفقة القرن
فيما أكدت صحيفة “الإيكونوميست” البريطانية أن الجميع يتفق على أن ولاية ترامب الثانية ستحدث “تحولاً كبيرًا” في السياسة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط، دون الاتفاق على شكل هذه السياسة.
وقالت الصحيفة في افتتاحية بعنوان “هل سيوقف دونالد ترامب الحروب في الشرق الأوسط؟” إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان سريعًا في محاولة كسب الود، إذ كان من أوائل زعماء العالم الذين قاموا بتهنئة ترامب، واصفًا عودته بـ “أعظم عودة في تاريخ البشرية”.
وأشارت إلى أن نتنياهو يعتقد أن إدارة ترامب ستمنحه حرية كاملة لاستمرار الحروب الإسرائيلية في غزة ولبنان، لافتة إلى أنه لن يكون هناك بعد الآن ضغوط أمريكية مزعجة تطالب بوقف إطلاق النار، رغم أن محاولات الرئيس بايدن لم تكن ذات تأثير يذكر.
وأوضحت الصحيفة أن نتنياهو يعتمد في اعتقاده على ما أظهره ترامب في ولايته الأولى من عدم اهتمام بمعاناة الفلسطينيين، كونه دعم توسيع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بالإضافة إلى أن صهره، جاريد كوشنر، هو من وضع خطة سلام عُرفت بصفقة القرن وكانت منحازة بشكلٍ كبير لصالح إسرائيل.
وشددت الصحيفة على أن تعهد ترامب بتهدئة الوضع في المنطقة أثناء حملته الانتخابية، بالإضافة إلى خطابه بعد فوزه بأنه سيوقف الحروب، يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان ترامب سيتراجع عن دعمه المطلق لاستمرار الحرب أو سيضغط على نتنياهو لإنهائها قبل توليه منصبه.
وكشفت الصحيفة أنه منذ أكتوبر 2023 قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل مساعدات عسكرية بقيمة 18 مليار دولار، مؤكدة أنه لا يمكن الجزم بكيفية إدارة ترامب لحكومته هذه المرة، حيث وعد بإحلال السلام في لبنان، ولكن دون توضيح كيفية تحقيق ذلك.
وتساءلت الصحيفة: هل سيطلب من إسرائيل سحب قواتها من لبنان والموافقة على وقف إطلاق النار؟ أم سيدعم “هجومًا بريًا” واسع النطاق على أمل القضاء على حزب الله؟
دعاية انتخابية
من جانبه، حذر المحلل السياسي بقطاع غزة طلال عوكل من الوثوق بتعهدات دونالد ترامب، مشيرًا إلى أن ترامب هو من أطلق صفقة القرن التي حملت في طياتها مخاطر استراتيجية على القضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام.
وقال عوكل في تصريحات صحفية إنه لا يمكننا أن نعول على الدعايات الانتخابية، لأن جميع الرؤساء الأمريكيين أثبتوا أن ما يتم التعهد به في سباق الانتخابات لا يتم تنفيذه على أرض الواقع، خاصة لو كانت هذه التعهدات تتعارض مع مصالح إسرائيل وأمريكا.
وأشار إلى أن الأمريكيين والإسرائيليين يعملون على تغيير الواقع في الشرق الأوسط الجديد لتثبيت هيمنة القوة الأمريكية في العالم وعدم السماح لأي دولة أخرى بمشاركتها في قيادة العالم، وهذا سيدفعهم لإثارة المزيد من الحروب في الشرق الأوسط وليس إنهاءها كما يدعي ترامب.
وأكد عوكل أن نتنياهو يسعى لتوسيع الحرب وقد يجد فرصته لتوجيه ضربة للمشروع النووي الإيراني، وهو أمر بدأه ترامب حين سحب بلاده من اتفاقية “خمسة زائد واحد”.
رهان خاسر
وأكد هاني المصري، مسؤول المركز الفلسطيني للأبحاث والسياسات (مسارات)، أن الرهان على الولايات المتحدة وأنها يمكن أن تتغير في التزامها بالدفاع عن إسرائيل، حتى لو ارتكبت كل أنواع الجرائم ضد الفلسطينيين وغيرهم، هو رهان خاسر.
وشدد المصري في تصريحات صحفية على أنه لا يمكن الوثوق بتعهدات ترامب بوقف الحروب في الشرق الأوسط، خاصة وأن شريكه نتنياهو بدأ أولى خطواته في خلق واقع جديد والتفرد بالحكم في إسرائيل لمواصلة حربه من خلال إقالة وزير الدفاع يؤآف جالانت، مع وجود إرهاصات لإقالة رئيس الشاباك وكل من يعارضه.
وأوضح المصري أن نتنياهو لن يوقف الحرب لا في غزة ولا في لبنان، وسيتجاهل جميع الضغوط التي قد تمارسها إدارة بايدن، مشيرًا إلى أن إسرائيل قد تقدم وقف الحرب كعربون لترامب لتنفيذ جميع مخططاتها التوسعية في الأراضي الفلسطينية واللبنانية والعربية.
مطلب إسرائيلي
وأكد محمد أحمد مرسي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن فوز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية وتوليه رئاسة الإدارة الأمريكية، لن يغير من السياسة الأمريكية تجاه إيران والشرق الأوسط.
وتوقع مرسي في تصريحات صحفية أن تشهد الفترة المقبلة ضغوطًا أمريكية مكثفة من جانب إدارة ترامب بعد توليه السلطة على دول عربية لإعادة تشكيل التحالف الذي سبق وعمل على تأسيسه لمواجهة إيران.
وأوضح أن ذلك سيكون في مقابل وفاء ترامب بوعده بوقف الحرب الإسرائيلية بعد عدد من الهدن الإنسانية، خاصة وأن إسرائيل قد استوفت أهدافها بالفعل ولم يعد لديها ما تقوم به، خاصة في قطاع غزة، وبالتالي وقف الحرب ربما يكون مطلبًا إسرائيليًا أيضًا بعد حصول إسرائيل على تنازلات كبيرة من الفلسطينيين.