في خطوة مثيرة للتساؤلات، أعلنت سلطة الانقلاب فى مصر تعزيز وجودها العسكري على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة، محذّرة من "سيناريو الاقتحام" الذي قد يفضي إلى تهجير مئات الآلاف من سكان غزة نحو الأراضي المصرية. لكن السؤال الأعمق: هل يمثل هذا الحشد العسكري رسالة رفض للتهجير، أم غطاءً لسيناريو قديم أعادت إسرائيل إحياءه تحت مسمى "الوطن البديل"؟
بحسب ما كشفته صحيفة الأخبار اللبنانية، أبلغ الجيش المصري كلا من إسرائيل والولايات المتحدة قراره بإدخال قوات إضافية بأسلحتها الكاملة إلى المنطقة "ج" المتاخمة لغزة. مصادر مصرية قالت إن الهدف هو "تأمين الحدود" ومنع أي اختراق بشري محتمل في حال تواصلت عمليات الاحتلال نحو مدينة غزة المكتظة بأكثر من نصف مليون إنسان.
غير أن هذه التحركات لا يمكن فصلها عن استعدادات لوجستية وإدارية يجري تجهيزها منذ أشهر في شمال سيناء، حيث شيّدت السلطات المصرية تجمعات سكنية ضخمة، وصفتها تقارير محلية بأنها "مدن أشباح" تنتظر سكاناً لم يأتوا بعد. هنا يبرز السؤال الملح: هل يستعد السيسي لاستقبال موجات تهجير قسري تحت غطاء "التأمين الحدودي"، بينما يرفع في العلن شعار رفض التهجير؟
استعدادات مريبة
المصادر ذاتها كشفت أن هناك "استعدادات لوجستية وإدارية" لاستقبال وحدات عسكرية جديدة في المنطقة الحدودية، وهو ما يراه خبراء شأنا مريبا، إذ لا يقتصر على مجرد نشر قوات، بل يوازيه بناء تجمعات سكنية وتجهيزات للبنية التحتية في شمال سيناء. وهو ما يعزز المخاوف من أن النظام أعد العدة مسبقا لاستيعاب أعداد كبيرة من المهجرين، في حال دفعت آلة الحرب الإسرائيلية سكان غزة جنوبا تحت القصف.
السيسي يمثل المعارضة علنا.. وينفذ المخطط سرا؟
ويرى محللون أن السيسي يحاول الظهور بمظهر الرافض لسيناريو التهجير، بينما خطواته على الأرض تؤكد العكس. فهو يرفع صوته في المحافل الدولية محذرا من "الخطر على الأمن القومي المصري"، لكنه في الوقت ذاته يهيئ البنية التحتية لاستقبال هؤلاء المهجرين، وكأن المخطط يتم بإشرافه المباشر وتنسيق مع تل أبيب وواشنطن.
خبراء: بين الإنكار الرسمي والسيناريوهات الخفية
يؤكد محللون أن التحركات المصرية تحمل أبعاداً مزدوجة؛ فمن جهة يسعى النظام لتأكيد "سيادته" على الحدود وإظهار أنه يقف بوجه مخطط التهجير، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام إمكانية "إدارة" هذا التهجير إذا فرضته التطورات الميدانية.
هل يريد نتنياهو التهجير للدلتا؟
ويرى خبراء أن نتنياهو ربما لا يكتفي بتهجير الفلسطينيين إلى رفح أو العريش، بل يطمح لسيناريو أشمل يزحف نحو الدلتا، مستنداً إلى أطروحات قديمة طرحتها أوساط إسرائيلية وغربية حول تحويل سيناء إلى "الوطن البديل".
السيناريو الأخطر الذي يطرحه بعض الخبراء، أن الاحتلال لا يريد حصر التهجير في رفح أو العريش فحسب، بل يسعى لفتح الطريق نحو عمق الدلتا المصرية، لإحداث تغيير ديمغرافي واسع وتفريغ قطاع غزة بالكامل. وهنا، يتحول سيناء إلى مجرد معبر أولي لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإلقائهم في قلب مصر.
على وقع المجازر المستمرة
في هذه الأثناء، يواصل الاحتلال حرب الإبادة في غزة، حيث أعلنت وزارة الصحة ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 62,895، إضافة إلى 158,927 مصابا منذ بدء العدوان قبل نحو 23 شهرا. وخلال 24 ساعة فقط، استشهد 76 فلسطينيا وأصيب 298 آخرون، بينما ما زال عدد غير معلوم من الضحايا تحت الأنقاض وبين الطرقات.
التهجير.. بين الماضي والحاضر
ليست هذه المرة الأولى التي يثار فيها الحديث عن "الوطن البديل"، إذ يعود هذا المشروع إلى عقود مضت، عندما تحدثت دراسات إسرائيلية وأمريكية عن "حل نهائي" للقضية الفلسطينية عبر اقتلاع سكان غزة وتوطينهم في شمال سيناء.
اليوم، ومع استمرار الإبادة الجماعية في القطاع التي أودت بحياة أكثر من 62 ألف شهيد و158 ألف مصاب خلال 23 شهراً من العدوان، تتقاطع المشاهد: قصف وتجويع في غزة، وتعزيزات عسكرية ومخيمات سكنية جاهزة في سيناء.
الحقيقة الغائبة: حماية حدود أم تمهيد لاستقبال المهجرين؟
الرسالة الرسمية المصرية تقول إنها خطوة "وقائية" لمنع أي موجات نزوح عشوائية عبر الحدود. لكن الوقائع على الأرض، من توسع البنية التحتية في سيناء، وتضاعف القوات أربع مرات منذ "طوفان الأقصى"، تطرح تساؤلات خطيرة:
هل نحن أمام مناورة سياسية لإرضاء واشنطن وتل أبيب مع حفظ صورة "الرافض للتهجير"؟
أم أن السيسي يمهد بالفعل لاستقبال الفلسطينيين في إطار صفقة غير معلنة؟
في كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم على حدود غزة يعيد إلى الواجهة أخطر الملفات المسكوت عنها: هل يعود شبح "الوطن البديل" من جديد؟
التعزيزات العسكرية المصرية، التي يروج لها نظام السيسي كخطوة لحماية الحدود، قد تكون في حقيقتها مقدمة لمخطط أكبر لتهجير أهل غزة قسرا إلى سيناء وربما أبعد من ذلك، في مشهد يعكس تواطؤا إقليميا ودوليا على حساب دماء الفلسطينيين ومستقبل القضية.