تمثل المياه الجوفية في مصر موردًا استراتيجيًا غير متجدد، والسحب الجائر في الزراعة الصحراوية يهدد بنضوبها وارتفاع ملوحتها، والحل برأي الخبراء يكمن في الإدارة الرشيدة، والتشريعات الصارمة، والتوسع في بدائل المياه لضمان استدامة التنمية الزراعية والاقتصادية في المناطق الصحراوية.
ويرى خبراء أن المياه الجوفية ليست بديلا عن النيل، وأن هذه المياه يمكن أن تكون مكملًا لمياه النيل، لكنها لا تكفي لتعويض العجز بالكامل، بسبب محدودية المخزون وعدم تجدد معظم الخزانات.
استنزاف إماراتي
وتعد المزارع التابعة لشركات إماراتية في مصر، خصوصًا في مناطق الصحراء الغربية والواحات، من أبرز الجهات التي تستنزف المياه الجوفية بشكل واسع، حيث تعتمد على حفر آبار عميقة لري محاصيل شرهة لاستهلاك المياه مثل قصب السكر والبرسيم.
ولشركات الإمارات مثل: (الظاهرة الزراعية) و(الروابي) و(القلعة الإماراتية) استثمارات في مشروعات زراعية ضخمة بمصر، خاصة في مناطق مثل توشكى، وشرق العوينات، والواحات البحرية.
وحصلت هذه الشركات على مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية، وزرعت محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه مثل قصب السكر، البرسيم، والذرة العلفية مع الاعتماد على المياه الجوفية العميقة عبر حفر آبار ضخمة، وهو ما أدى إلى استنزاف الخزانات غير المتجددة.
وتستثمر الإمارات في مصر بهدف تأمين الغذاء عبر زراعة محاصيل علفية وسكرية تحتاجها أسواقها المحلية وهذه الاستثمارات تعتمد على الاستخراج المكثف للمياه الجوفية، ما جعلها محل انتقاد من خبراء مصريين يرون أنها تضر بالمورد الاستراتيجي غير المتجدد مع الزعم أنها توفر مياه النيل للمصريين.
تحذيرات الخبراء المصريين
ولكم أكدت وزارة الموارد المائية والري أكدت أن المياه الجوفية العميقة في مصر غير متجددة، وأن السحب الجائر يؤدي إلى نضوبها وارتفاع ملوحتها.
وأكد د. محمد عبد العاطي وزير الموارد المائية والري السابق، أكثر من مرة أن الخزانات الجوفية العميقة غير متجددة، وأن استخدامها يجب أن يكون رشيدًا لأنها لا تكفي لتعويض عجز مياه النيل.
ونشر د. أحمد عبد الحافظ الباحث في معهد بحوث المياه الجوفية – المركز القومي لبحوث المياه أبحاث منشورة أن المياه الجوفية تصلح كمورد إضافي للزراعة والشرب بعد المعالجة، لكنها محدودة ولا يمكن الاعتماد عليها وحدها.
وتوصل "عبدالحافظ " وباحثو المركز القومي لبحوث المياه (NWRC) – معهد بحوث المياه الجوفية إلى أنه يتابع كمية وجودة المياه الجوفية ويؤكد أن الخزانات العميقة مثل الحجر الرملي النوبي غير متجددة، ما يجعلها عرضة للنضوب إذا استُخدمت بشكل جائر.
وأشرف المعهد على تصميم الآبار ومناطق حماية رأس البئر لضمان صلاحية المياه للشرب، لكن يحتاج كثير منها إلى معالجة لإزالة الملوحة أو الملوثات.
وحذر من أن المياه الجوفية تُستخدم بكثافة في مشروعات الاستصلاح الصحراوي، لكن المعهد يحذر من أن الإفراط في السحب، يؤدي إلى ارتفاع الملوحة وتدهور التربة.
وقال د. عبد الفتاح مطاوع أستاذ الهيدرولوجيا بجامعة القاهرة: إن "المياه الجوفية في مصر يجب أن تُدار باعتبارها مخزونًا استراتيجيًا، وليست بديلًا للنيل".
وتوصل مركز الدراسات الجيوهيدرولوجية بجامعة بورسعيد إلى أن مصر تمتلك ستة خزانات جوفية رئيسية، أبرزها: الحجر الرملي النوبي، خزان وادي ودلتا النيل، الخزان الساحلي، وخزان المغرة.
وأضاف أن هذه الخزانات توفر إمكانيات كبيرة لكنها متفاوتة في الجودة؛ فخزان الدلتا مثلًا أكثر تجددًا بفضل تغذيته من النيل، بينما الحجر الرملي النوبي غير متجدد.
اضطرار المناطق الصحراوي
وفي تحذير أخير من د.محمد فتحي سالم أستاذ الزراعة الحيوية في جامعة مدينة السادات والمشرف على أنشطة بحثية وتطبيقية في شركة "بيو بيراميدز بيوتك – رويال جرين تكنولوجيز" المتخصصة في الحلول الحيوية والتقنيات الزراعية أنه "لابد من تعيين جهة متخصصة من وزارة الري والموارد المائية وخاصة قطاع المياه الجوفية في مصر لحل هذه المشكلة حل علمي وعملي ومستدام".
وأضاف، "سمعنا عن مناطق جفت فيها مياه الآبار الجوفية بعد فترات قريبة جدا من حفرها ، جفاف المياه للأسف بعد إنشاءات ومزراع كلفت الكثير؛ وخطأهم الوحيد كان في تحديد عمق البئر المثالي وعملوا زي جيرانهم في المزرعة، وللأسف ليس خزانا جوفيا مستداما ".
وتابع: " ..متفرحش أنك لقيت المياه الجوفية قريبة .. حتى لو كانت جودتها كويسة في البداية .. حتى لو كانت كميتها كبيرة .. دراسة المياة الجوفية مهم لمزرعتك .. لازم تهتم بيه في دراسة الجدوى ( مع أني مشفتش حد بيتكلم عنه ولا على مشاكله أو تكلفة إصلاحه في أي دراسة جدوى )".
وعن حالة خزان جوفي، أشار إلى أن ".. هذه المياه قد يكون مصدرها مياه الأمطار أو مياه الصرف الزراعي للمنطقة .. سمك هذه الطبقة قد يكون كبيرة نسيباً قد يغطي أكثر من 200م وعرضها قد يكون أكثر من ١٥ كيلو متر ".
وشدد على دراسة الآبار للأسف مهملة وتتم بطريقة عشوائية، وتكلفة معالجة الآبار لاحقاً مضاعفة (عشان حضرتك مش عارف قيمة المياه في مشروع الزراعي)، لافتا إلى أن مشكلة مثل هذه الخزانات موجودة في منطقة عين التنين في الفرافرة..
وعن الحل، اقترح معرفة "..أعماق الخزانات الجوفية في المنطقة وعمل دراسة متكاملة، ولو حضرتك اشتريت في منطقة مفيهاش أي حد عمل بئر جوفي قبلك .. تعمل بئر اختباري وتعمل تصوير للبئر Well log على أكثر من عمق عشان تتبين من سمك الطبقة واستعاضتها وكمية المياه بها ..
وهذا لن يقوم به اللي جاء علمية متخصصة مثل إداره المياه الجوفية في وزارة الري وأرى أن الحل العلمي والعملي والتطبيقي والمستدام لهذه المشكلة لقيام مزارع مستدامة بدون أي مشاكل هي الاعتماد على جهة متخصصة في مصر مثل قطاع المياه الجوفية بوزارة الري والموارد المائية.
اللهم بلغت.. اللهم فاشهد. ".
وجه للمقارنة
الباحث هاني إبراهيم Hany Ibrahim استعرض عبر فيسبوك المياه الجوفية في إثيوبيا، مشيرا إلى أن إثيوبيا لا تعاني أزمة مياه حقيقية، إذ تمتلك إمكانات جوفية ضخمة في حوض نهر الأواش تصل إلى نحو 4 مليارات متر مكعب سنويًا، إضافة إلى إيراد النهر نفسه (4.6 مليار م³) والأمطار (95–100 مليار م³ سنويًا).
وأضاف أنه رغم هذه الوفرة، تصدر إثيوبيا المياه إلى جيبوتي عبر 28 بئرًا جوفيًا، بينما تدّعي أن شعبها يعاني العطش لتبرير بناء السدود العملاقة مثل سد النهضة.
وكشف تناقضًا بين الواقع المائي الإثيوبي والادعاءات السياسية، ويؤكد أن المياه الجوفية هناك يمكن أن تكون بديلًا عمليًا لتوفير مياه الشرب والكهرباء عبر حلول لامركزية (محطات شمسية صغيرة)، بدلًا من مشاريع السدود الضخمة.
https://www.facebook.com/groups/289185612881093/posts/1264941581972153/
وفي مصر، يحذر الأكاديميون والمسؤولون مرارًا من أن المياه الجوفية العميقة غير متجددة، وأن الإفراط في استخدامها يؤدي إلى نضوبها وارتفاع ملوحتها، ما يجعلها غير صالحة كبديل كامل لمياه النيل.
وتُعتبر المياه الجوفية في مصر مكملًا مهمًا لمياه النيل، لكنها ليست بديلًا، بعكس ما يمكن أن يكون عليه الوضع في إثيوبيا حيث الأمطار والخزانات الجوفية أكثر وفرة وتجددًا.
وتعد المياه الجوفية عنصر محوري في الصراع المائي الإقليمي حيث تتجاهل إثيوبيا إمكاناتها الجوفية وتضغط عبر سد النهضة على حصة مصر من النيل.
في حين تعتمد مصر بنسبة 90% على مياه النيل، لذا ترى أن أي مشروع إثيوبي يؤثر على تدفق المياه تهديد وجودي.
وإثيوبيا تستخدم خطاب "العطش والحاجة للكهرباء" لتبرير السد، رغم أن المرفق يوضح أن لديها بدائل جوفية وأمطار كافية.
وتكشف المياه الجوفية بين الجانبين أن أزمة إثيوبيا ليست في نقص المياه، بل في إدارة الموارد، وأن السد ليس ضرورة مائية بقدر ما هو مشروع سياسي واقتصادي.
وفي القرن العشرين، وُقّعت اتفاقيات (1929 و1959) بين مصر والسودان، تمنح مصر حقًا تاريخيًا في مياه النيل، وتمنع دول المنبع من إقامة مشاريع تؤثر على تدفق المياه دون موافقة مصر.
وإثيوبيا لم تكن طرفًا في تلك الاتفاقيات، واعتبرتها غير عادلة، خاصة أنها تساهم بـ85% من مياه النهر عبر النيل الأزرق، ولذلك سعت ومن خلفها الغرب وتل ابيب (جرت مفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة، لكنها لم تُفضِ إلى اتفاق نهائي) إلى مشروع سد النهضة لتوليد الكهرباء وتحقيق الاكتفاء الطاقي، بينما تعتبره مصر تهديدًا وجوديًا لأمنها المائي، إذ تعتمد بنسبة 90% على مياه النيل.
وسارت تصريحات متبادلة حادة بين الطرفين، وصلت إلى تحذيرات من احتمالية التصعيد العسكري، رغم تأكيدات الطرفين على السعي للحلول السلمية.
ويعد السودان طرفًا ثالثًا مهمًا، إذ يتأثر مباشرة بأي خلل في تشغيل السد، وقد لعب دورًا متذبذبًا بين الوساطة والانحياز.