أثار إعلان الإمارات عن انسحابها من اليمن جدلًا واسعًا بين المحللين والكتاب والنشطاء العرب، وكيف أن العنوان الذي يتردد على منصات التواصل هو أن "الانسحاب الإماراتي من اليمن على الورق كما كان قبل خمس سنوات"، أي أنه انسحاب شكلي لا يعكس نهاية المشروع الإماراتي هناك.
وفي هذا التقرير نحاول تفكيك المواقف المختلفة، مستعينين بآراء من أبرز الأصوات التي تناولت الموضوع، لبحث ما إذا كانوا يتفقون مع هذا الطرح أم يختلفون عنه.
الكاتب الأكاديمي خليل العناني (@Khalil Al-Anani) رأى أن الحديث عن انسحاب الإمارات ليس إلا "تراجعًا تكتيكيًا"، مشيرًا إلى أن "ذيل الأفعى لم ولن ينسحب من اليمن".
وهو ما يتفق تمامًا مع الاجابة المطروحة، إذ يرى أن الانسحاب ليس سوى مناورة سياسية وإعلامية، بينما تبقى الإمارات متجذرة عبر شبكات دعمها وحلفائها المحليين. بالنسبة له، أي حديث عن انسحاب نهائي هو مبالغة أو وهم، لأن المشروع الإماراتي قائم على النفوذ غير المباشر.
انسحاب تكتيكي
رأي عبده فايد (Abdo Fayed)على فيسبوك دمج بين الاجابتين فمرة أشار إلى أن الانسحاب الإماراتي من اليمن ليس نهاية المشروع بل بداية انهياره، وتارة رآه انسحابا تكتيكيا يخفي استمرار النفوذ عبر الوكلاء والتهريب، لكنه في الوقت نفسه هزيمة مروعة تكشف حدود القوة الإماراتية وتفتح الباب لتصفيتها في اليمن والسودان معًا.
في سلسلة منشورات مطولة، اعتبر عبده فايد أن ما حدث يمثل "هزيمة مروعة وغير مسبوقة للإمارات"، لكنه في الوقت نفسه أوضح أن الانسحاب لن يكون كاملًا.
ويرى أن الإمارات خسرت المعركة المباشرة مع السعودية، لكنها ستظل تبحث عن طرق للالتفاف على الواقع. إذن، هو يتفق جزئيًا مع العنوان: الانسحاب على الورق موجود، لكن الهزيمة واقعية أيضًا، ما يعني أن المشروع الإماراتي أصيب بضربة قاصمة لكنه لم ينتهِ.
واعتبر عبده فايد أن الإمارات رضخت للقصف السعودي وأعلنت إنهاء وجودها العسكري هناك، بعد 10 سنوات من الاستثمار الضخم في الحرب على صنعاء وإنفاق مئات المليارات على إنشاء ميليشيات موالية لها. بالنسبة له، موضحا أن اليمن كان أهم استثمار خارجي للإمارات، لكن الضربة الأخيرة كشفت هشاشة مشروعها الاستعماري الذي كان يستهدف السيطرة على جنوب البحر الأحمر انطلاقًا من عدن.
واعتبر "فايد" أن إعلان الانسحاب مجرد كذبة لحفظ ماء الوجه، لأن الإمارات لم تنسحب بإرادتها بل أُجبرت بعد أن حصلت السعودية على الضوء الأخضر الأمريكي لتصفية وجودها. ويصف ذلك بأنه خطأ استراتيجي من أبو ظبي التي راهنت على أن تحالفها مع "العدو العبري" سيمنحها مكانة أكبر في واشنطن من السعودية، لكنها خسرت بعد أن دفعت أموالًا طائلة دون جدوى، لأن الأمريكيين تاريخيًا يميلون إلى السعودية كقوة شرطية في الخليج.
لن تتوقف شبكات دعم الانتقالي
وأشار "فايد" إلى أن الانسحاب قد يكون تكتيكيًا، فعدد القوات الإماراتية في اليمن لا يتجاوز بضع مئات في سقطرى وعدن وأبين وشبوة، ومن المرجح أن تسحبهم الإمارات لكنها ستبقي على شبكات الدعم لحلفائها الانفصاليين، مع البحث عن مسارات تهريب بديلة. ويستشهد بخبرة الإمارات في السودان حيث استخدمت طرقًا ملتوية لإيصال العتاد للدعم السريع عبر دول أفريقية، ويرى أن هذا السيناريو قد يتكرر في اليمن.
ورأى أن المشروع الإماراتي بدأ في الاحتضار، فلأول مرة تصبح الإمارات في مرمى المدافع العربية بعد أن اعتادت خوض حروبها بالوكالة أو عبر دبلوماسية المال. ويعتبر أن الانتصار الأهم هو حصار مشروع الإمارات العبري، إذ لم يعد أحد في الإقليم مستعدًا لمساعدتها في الحفاظ على طرق الإمداد للمجلس الانتقالي الجنوبي.
وأوضح أن ما تبقى للإمارات لاستعادة نفوذها هو قواعد في الصومال وإريتريا وبونتلاند، لكن ليس في الظهير العربي، حيث وجهت الرياض تحذيرًا بأن أي دعم عسكري سيقابل بالقصف. ويرى أن الضربة القاصمة ستعيد الإمارات إلى "الخانة صفر"، مجرد قوة مالية تبني شواطئ ومنتجعات دون قدرة على صنع القرار العربي.
واستدرك "فايد" واصفا اللحظة أنها فرصة تاريخية لتصفية الوجود الإماراتي، ليس فقط في اليمن بل أيضًا في السودان، محذرًا من أن التأخر في مواجهتها هناك قد يؤدي إلى دعم انفصال دارفور. ويعتبر أن الإمارات قوة من الماضي، وأن انهيارها بدأ بالفعل، وأنها ستدفع أثمانًا باهظة لما ارتكبته بحق شعوب المنطقة.
وعقب على الجنوبيين، مشبّها وضعهم بمحاولة انفصال كتالونيا عن إسبانيا، مؤكدًا أن المظالم لا تبرر الانفصال، وأن الحل يكمن في صيغة حكم متوازنة داخل الدولة الواحدة، لأن أي محاولة للانفصال ستقود إلى فواتير باهظة ولن تجد دعمًا إقليميًا أو دوليًا.
https://www.facebook.com/photo?fbid=4433052213685939&set=a.3662928720698296
المراوغون الإماراتيون
وركز الكاتب والمحلل السياسي قطب العربي (Kotb El Araby) عبر فيسبوك على البعد السياسي، معتبرًا أن الانسحاب الإماراتي إذا تم فهو "هزيمة لمشروعها التوسعي في اليمن"، لكنه حذر من أن الإمارات قد تراوغ وتبقي على رجالها وحلفائها مثل المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات طارق صالح. هذا الموقف ينسجم مع العنوان، إذ يرى أن الانسحاب ليس كاملًا، بل مجرد إعادة تموضع، وأن المشروع سيستمر عبر الوكلاء المحليين.
واتفق معه حساب الوزير الإماراتي بلا حقيبة (@e_minister1)ونقل رؤية من داخل ما وصفه بـ"القصر"، وكتب عن أن الانسحاب كان تكتيكيًا، وأن التوجيهات صدرت بوقف الظهور العسكري المباشر مع استمرار الدعم السياسي والاقتصادي والإعلامي للمجلس الانتقالي. هذا الموقف يتفق بشكل مباشر مع العنوان: الانسحاب على الورق فقط، بينما المشروع مستمر في الخفاء. بل إنه أضاف أن الحليف الصهيوني يقود ويدعم هذا التوجه، ما يجعل الانسحاب مجرد تغيير في الأسلوب لا في الهدف.
ولم تكن الإمارات في اليمن لمحاربة الحوثي، بل لدعم ميليشيات انفصالية والسيطرة على باب المندب، ورأت أن الانسحاب جاء بعد قصف سعودي للسفن الإماراتية، وأنه لا يعكس نهاية المشروع بل محاولة لتجنب المواجهة المباشرة. هذا الرأي يتفق مع العنوان، إذ ترى أن الانسحاب شكلي، بينما المخططات الإماراتية مستمرة وتشكل خطرًا على السعودية ومصر.
ويبدو أن معظم المحللين مع العنوان القائل إن "الانسحاب الإماراتي من اليمن على الورق كما كان قبل خمس سنوات". فالإمارات، بحسب آرائهم، لم تنسحب فعليًا، بل أعادت تموضعها لتجنب المواجهة المباشرة مع السعودية، مع استمرار مشروعها عبر أدوات غير مباشرة. عبده فايد يضيف أن الانسحاب يعكس هزيمة واقعية، لكنه لا ينفي استمرار النفوذ الإماراتي.