معبر رفح.. حين يتحول الانتظار إلى عقوبة والتعطيل إلى شراكة في التهجير

- ‎فيتقارير

 يعيش آلاف الفلسطينيين القادمين قسرًا من قطاع غزة  على أطراف القاهرة، و الجيزة والإسكندرية،واحدةً من أقسى فصول الانتظار القاتل. ليسوا لاجئين باختيارهم، ولا مهاجرين طامعين في حياة بديلة، بل ضحايا حربٍ دفعتهم للخروج، ونظامٍ مصريٍّ عاجز ـ أو متواطئ ـ يرفض السماح بعودتهم.

هؤلاء لم يغادروا غزة للسياحة أو الإقامة، بل خرجوا هربًا من القصف، أو طلبًا للعلاج، أو استكمالًا للدراسة، وهم اليوم أسرى قرار سياسي مصري يُبقي معبر رفح مغلقًا، ويحوّل خروجهم المؤقت إلى تهجيرٍ ناعم، يخدم عمليًا مخططات تفريغ القطاع من أهله.

كان الاعتقاد السائد لدى الغالبية أن الرحلة لن تطول، لكن الشهور مرّت، والمدخرات نفدت، والغلاء الفاحش الذي يضرب مصر ـ نتيجة الفشل الاقتصادي للنظام، وإهداره موارد البلاد على مشاريع عبثية تخدم دائرة الحكم وعصابته ـ حوّل الإقامة المؤقتة إلى جحيم يومي. فلا عمل، ولا إقامة مستقرة، ولا أفق للعودة.

 

تقول الفلسطينية أسماء فتحي، المقيمة في مصر منذ أكثر من عام: "لسنا عالقين فقط، نحن معلّقون بين بلد لا يسمح لنا بالاستقرار، ووطن لا يسمح لنا النظام بالعودة إليه. الانتظار ينهكنا، والمدخرات تتآكل، والحياة تتحول إلى عبء بلا نهاية".

 

وبحسب تصريحات فلسطينية، فإن عدد من غادروا غزة إلى مصر منذ بداية العدوان الإسرائيلي يقترب من 100 ألف شخص، بينما تتحدث بيانات مصرية عن نحو 107 آلاف فلسطيني دخلوا البلاد. وبين تضارب الأرقام، تظل الحقيقة واحدة: عشرات الآلاف محتجزون سياسيًا خلف بوابة رفح.

 

طلاب فلسطينيون في الجامعات المصرية يصفون حياتهم بأنها "نصف حياة"، أجسادهم في قاعات الدراسة، وعقولهم معلّقة بخبر فتح المعبر. أما المرضى الذين أنهوا علاجهم، فينتظرون "ختم العودة"، وكأن الشفاء نفسه مؤجل بقرار أمني. وعائلات تمزقت بين غزة ومصر، أب في القطاع، وأم وأطفال في القاهرة، أو العكس، وكلهم رهائن لتعطيل متعمد.

 

ورغم التعاطف الشعبي المصري الواسع، يعترف الفلسطينيون بأن التعاطف لا يفتح المعابر. فمعبر رفح، الذي كان يومًا شريان الحياة الوحيد لغزة، تحوّل في عهد السيسي إلى أداة ضغط، وبوابة خاضعة للتنسيق الأمني، لا للاعتبارات الإنسانية.

 

تقول الفلسطينية نور عودة، التي قدمت إلى مصر لعلاج طفلها: "إقامتنا كان يفترض أن تكون مؤقتة، لكنها تحولت إلى عبء ثقيل بلا دخل ولا استقرار. العودة بالنسبة لي ليست نهاية علاج فقط، بل استعادة حياة سُرقت منا".

 

أما أحمد فؤاد، الذي جاء للعلاج وترك عائلته في غزة، فيختصر المأساة قائلًا: "لا معنى للأيام إلا بقدر اقتراب لحظة العودة. العيش في غزة، مهما كان قاسيًا، أهون من هذا الانتظار المذل".

 

وتؤكد مصادر في السفارة الفلسطينية بالقاهرة أن القوائم جاهزة، والإجراءات مكتملة، بانتظار قرار واحد فقط: فتح المعبر. قرار لا تملكه الإنسانية، بل يحتكره نظام السيسي، الذي يثبت يومًا بعد يوم عجزه عن اتخاذ موقف مستقل، وخضوعه لحسابات سياسية وأمنية تتقاطع مع الرغبة الإسرائيلية في فرض التهجير.

 

آلاف الفلسطينيين في مصر اليوم بلا وثائق إقامة حقيقية، بلا حق عمل أو دراسة مستقرة، وبلا جدول زمني للعودة. وجودهم تحوّل من محطة انتظار إلى مأزق مفتوح، بفعل نظام فشل اقتصاديًا، وأخفق أخلاقيًا، واختار أن يكون جزءًا من الأزمة لا من الحل.

 

فتح معبر رفح لم يعد مسألة لوجستية، بل اختبارًا سياسيًا وأخلاقيًا. وكل يوم تأخير جديد، هو مشاركة صامتة في معاقبة الضحية، وتكريس جريمة التهجير التي تُرتكب ببطء، تحت سمع وبصر نظام لا يملك قرارًا… أو لا يريد امتلاكه.