لم يكن إغلاق أحد أكبر أسواق ومعارض السيارات في مصر مجرد إجراء إداري عابر، بل مثّل صدمة عنيفة أصابت قطاع السيارات بالشلل والارتباك، وأعادت إشعال موجة جنون الأسعار التي لم يكد السوق يتعافى منها بعد سنوات من التضخم والانكماش.
القرار، الذي جاء دون بدائل تنظيمية واضحة أو فترة انتقالية، أطاح بأحد أهم مراكز التسعير والتداول، وكشف بوضوح هشاشة منظومة سوق السيارات واعتمادها المفرط على تجمعات غير منظمة تحولت بمرور الوقت إلى مؤشر تسعير غير رسمي.
سوق بلا بوصلة… كيف قاد الإغلاق إلى فوضى الأسعار؟
كان السوق المغلق يؤدي دوراً مركزياً يتجاوز كونه مكاناً للبيع والشراء، إذ شكّل نقطة التقاء للتجار والوكلاء والمستهلكين، ومرجعاً يومياً للأسعار، وحلقة وصل بين السوق الرسمي وغير الرسمي، ومع غيابه المفاجئ، دخل القطاع في حالة تيه تسعيري، حيث بات كل تاجر يضع السعر وفق تقديره الخاص، ما أدى إلى فروق سعرية ضخمة لنفس السيارة بين محافظة وأخرى وارتفاعات عشوائية في بعض الطرازات وتراجع أسعار طرازات أخرى نتيجة ركود الطلب والخوف من الشراء.
تحليل معمّق: الأسباب الحقيقية لجنون أسعار السيارات
أولاً: قرارات إدارية بلا رؤية اقتصادية
تعتمد الدولة منذ سنوات على الحلول الأمنية والإدارية في إدارة الأسواق، دون معالجة جذور الأزمات.
وإغلاق سوق السيارات تم دون إنشاء سوق بديل منظم ودون وضع آلية تسعير شفافة ودون حماية صغار التجار والمستهلكين، النتيجة تفريغ السوق من أدوات التوازن الطبيعية.
ثانياً: أزمة الدولار ونقص العملة الأجنبية
لا تزال السيارات من أكثر القطاعات تأثراً بندرة الدولار، حيث تعتمد الصناعة والتجميع على مكونات مستوردة، وترتبط الأسعار مباشرة بسعر الصرف، وتتراكم تكاليف الإفراج الجمركي والشحن
ورغم الحديث الرسمي عن تحسن تدفقات العملة الأجنبية، فإن السوق لا يشعر بذلك، ما يدفع التجار إلى تسعير احترازي مبالغ فيه تحسباً لأي خفض جديد للجنيه.
ثالثاً: القيود على الاستيراد واختناق المعروض
القيود المفروضة على الاستيراد، سواء المباشرة أو غير المباشرة، أدت إلى تراجع المعروض من السيارات الجديدة وزيادة الضغط على سوق المستعمل وتحول السيارة من سلعة استهلاكية إلى مخزن قيمة، وكلما ضاق المعروض، انفلتت الأسعار، خصوصاً في غياب رقابة حقيقية.
رابعاً: جشع بعض الوكلاء والتجار
استغل عدد من الوكلاء والتجار بعض العوامل التي تشمل حالة الغموض وضعف الرقابة وخوف المستهلك
لتمرير زيادات سعرية غير مبررة، وفرض أوفر برايس مقنّع وشروط بيع مجحفة وربط البيع بخدمات إضافية، وكل ذلك حوّل السوق إلى ساحة ابتزاز مفتوح للمواطن.
خامساً: فشل استراتيجية التصنيع المحلي
رغم الشعارات المتكررة عن توطين صناعة السيارات، فإن الواقع يشير إلى أن التجميع محدود بقيمة مضافة ضعيفة والاعتماد شبه كامل على الاستيراد، مع غياب صناعة مغذية حقيقية، وبالتالي فإن أي اضطراب خارجي أو داخلي ينعكس فوراً على الأسعار.
المواطن الضحية الأولى… سيارة خارج متناول الطبقة الوسطى
قفزت أسعار السيارات إلى مستويات تتجاوز القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة ودفعت كثيرين للعزوف عن الشراء، وزاد الاعتماد على سيارات متهالكة وبات امتلاك سيارة في مصر حلماً مؤجلاً، لا سيما مع ارتفاع الفوائد وتشدد البنوك في التمويل وزيادة تكاليف التشغيل والصيانة
إلى أين يتجه السوق؟ سيناريوهات مفتوحة
سيناريو الفوضى المستمرة مرشح للزيادة إذا استمرت القرارات الارتجالية دون إصلاح هيكلي، حيث سيظل السوق متقلباً وطارداً للمستهلك وغير جاذب للاستثمار.
في حين أن سيناريو التوازن المشروط يتطلب إنشاء سوق منظم بديل وإطلاق مؤشر تسعير رسمي وتحرير الاستيراد بشكل مدروس وكبح جشع الوكلاء
الخلاصة: الأزمة أعمق من سوق مغلق
أزمة السيارات في مصر ليست نتيجة إغلاق سوق واحد، بل نتاج تراكمات من سوء الإدارة، وغياب الرؤية، وانعدام الشفافية.
وما لم تُدار الأسواق بعقلية اقتصادية حديثة، ستظل القرارات المؤقتة تشعل الأزمات بدل حلّها، وسيبقى المواطن يدفع ثمن التخبط… من جيبه ومستقبله. قرارات ارتجالية تشعل الأسعار وتدفع القطاع نحو الفوضى.