تصاعد الإعدامات في زمن السيسي.. عدالة انتقائية تُدين الضحايا وتُبرئ الجلادين
تشهد مصر، خلال سنوات حكم عبد الفتاح السيسي، تصاعدًا غير مسبوق في أحكام الإعدام، في مشهد يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة العدالة الجنائية وحدود سيادة القانون في ما بات يُوصف حقوقيًا بـ«شبه الدولة»، فبينما تُسارع المحاكم إلى إصدار مئات الأحكام القاسية بحق معارضين ومتهمين، يواصل ضباط متورطون في القتل والتعذيب الإفلات الكامل من العقاب، بل ويحظى بعض القتلة بعفو رسمي ويُعاد تقديمهم كـ«نجوم مجتمع» سياسيًا واقتصاديًا.
أرقام صادمة.. الإعدام كأداة حكم
أعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أنها رصدت، خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي فقط، صدور أحكام بالإعدام بحق 52 متهمًا في 31 قضية، بينهم متهمان صدرت ضدهم أحكام نهائية غير قابلة للطعن، إلى جانب إحالة أوراق 55 متهمًا إلى مفتي الجمهورية في 26 قضية أخرى.
وأكدت المبادرة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى لما تمكن الباحثون من توثيقه عبر الأهالي ووسائل الإعلام، ليصل إجمالي أحكام الإعدام الصادرة خلال عام 2025 إلى 490 حكمًا في 337 قضية.
وتُظهر البيانات نمطًا تصاعديًا ثابتًا:
نوفمبر 2025: 51 حكم إعدام في 30 قضية
أكتوبر 2025: 21 حكمًا في 13 قضية
سبتمبر 2025: 31 حكمًا في 23 قضية
أغسطس 2025: 39 حكمًا في 30 قضية
يوليو 2025: 28 حكمًا في 21 قضية
وخلال النصف الأول من 2025 وحده، صدرت أحكام بالإعدام بحق 269 متهمًا في 194 قضية، أصبح 17 منهم على أعتاب التنفيذ بعد صيرورة أحكامهم نهائية، بينما أُحيلت أوراق 197 متهمًا إلى المفتي تمهيدًا لإعدامهم.
قضاء واسع العقوبة.. ضعيف الضمانات
بحسب قانون العقوبات المصري، توجد 105 جرائم معاقب عليها بالإعدام، ما يجعل مصر من أكثر الدول توسعًا في استخدام هذه العقوبة. ونتيجة لذلك، تحتل البلاد المرتبة 135 من أصل 142 دولة في مؤشر سيادة القانون الصادر عن مشروع العدالة العالمي.
وتحذر منظمات حقوقية من أن تطبيق عقوبة غير قابلة للتدارك، كالإعدام، في ظل نظام قضائي يعاني من ضعف الاستقلال وضمانات المحاكمة العادلة، يرفع بشكل هائل مخاطر الخطأ القضائي والظلم الجسيم، ويقوّض أي ثقة في نزاهة العدالة.
النساء تحت المقصلة
ووفقًا لـلمفوضية المصرية للحقوق والحريات، شهدت السنوات الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في أحكام الإعدام بحق النساء.
بين 2023 و2024: صدر 963 حكم إعدام، بينها 84 ضد نساء (8.2%).
النصف الأول من 2025: 31 حكمًا ضد نساء من أصل 342 (8.3%).
واعتبرت المفوضية أن هذه الأرقام لا تعكس فقط تصاعد العقوبة، بل تفتح باب التساؤل حول تجاهل القضاء للظروف الاجتماعية والنفسية للنساء المتهمات، وغياب أي تحليل نوعي لسياق الجرائم.
عدالة بطبقتين: الإعدام للضعفاء.. والنجومية للقتلة
في مقابل هذه القسوة، تتجلى العدالة الانتقائية بأوضح صورها، فبينما يُعدم معارضون ومتهمون بعد محاكمات يشوبها الشك، لم يُحاسَب أي ضابط بشكل جدي على جرائم قتل المعتقلين أو تعذيبهم حتى الموت. بل إن الدولة منحت عفوًا رئاسيًا لمدانين بجرائم قتل، وجرى دمجهم مجددًا في المجال العام كنماذج للنفوذ والنجاح، في مشهد يرمز إلى تماهي السلطة مع العنف بدل محاسبته.
مطالب معلقة.. ودماء مستمرة
تأتي هذه الأرقام المفزعة بينما تتواصل المطالبات الحقوقية بوقف تنفيذ أحكام الإعدام، والالتزام بالمادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والتوقيع على البروتوكول الاختياري الخاص بإلغاء العقوبة، أو على الأقل تعليقها.
لكن في ظل بنية حكم ترى في الإعدام أداة للردع السياسي أكثر منه عقوبة جنائية استثنائية، تبقى هذه المطالب حبرًا على ورق، فيما يستمر مشهد العدالة المعطوبة: مقصلة حاضرة للضحايا، وحصانة دائمة للجلادين.