يحمل إسناد رئاسة مجلس النواب، المنبثق عن انتخابات وُصفت على نطاق واسع بأنها مزوّرة، إلى المستشار هشام بدوي، دلالات سياسية وقضائية عميقة تتجاوز مجرد ترتيب بروتوكولي داخل مؤسسة تشريعية فاقدة للاستقلال. فالاختيار يعكس طبيعة العلاقة العضوية التي نسجها المنقلب عبد الفتاح السيسي مع قطاع نافذ في السلطة القضائية منذ انقلاب يوليو 2013، وهو القطاع الذي اضطلع بدور مركزي في تقنين القمع ومنح الغطاء القانوني لأوسع حملة أحكام جماعية بالإعدام والسجن المؤبد في تاريخ مصر الحديث.
بدوي ليس مجرد رجل نيابة سابق أو مسؤول إداري؛ بل يُعد أحد أبرز رموز نيابة أمن الدولة العليا، الجهة التي تولّت “تسكين” آلاف القضايا ضد المعارضين من زمن الرئيس المخلوع مبارك، عبر اتهامات نمطية فضفاضة مثل “الانتماء إلى جماعة إرهابية” أو “التحريض على العنف”، دون سند مادي حقيقي، ما مكّن السلطة من إحالة الآلاف إلى محاكم استثنائية أصدرت أحكاماً قاسية، شملت الإعدام والمؤبد.
انتخاب شكلي ورسالة سياسية
في الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب التابع لسلطة الانقلاب، جرى انتخاب هشام بدوي، البالغ من العمر 68 عاماً، رئيساً للمجلس بعد حصوله على 521 صوتاً من أصل 570، في مواجهة منافسه محمود سامي، في تصويت يعكس طبيعة برلمان مُشكَّل سلفاً بإرادة السلطة التنفيذية، لا بإرادة الناخبين.
ويُعد فوز نائب مُعيَّن بقرار من السيسي برئاسة البرلمان سابقة نادرة لم تتكرر سوى مرة واحدة في عهد حسني مبارك، عندما عُيّن رفعت المحجوب رئيساً لمجلس الشعب عام 1984، في دلالة على العودة الصريحة إلى نمط “برلمان السلطة” الذي يدار من خارج قاعته.
دور محوري قبل وبعد الانقلاب
لعب بدوي دوراً محورياً قبيل أحداث 30 يونيو 2013، حين كان يشغل منصب المحامي العام الأول لنيابات أمن الدولة العليا، وتولى التحقيق في قضايا طالت قيادات سياسية ومعارضين بارزين، وعلى رأسهم قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، وانتهت تلك القضايا بأحكام جماعية قاسية، شكّلت الأساس القضائي لشرعنة الإقصاء السياسي بعد الانقلاب.
ومع إطاحة السيسي بالمستشار هشام جنينة من رئاسة الجهاز المركزي للمحاسبات، عقب كشفه عن وقائع فساد تُقدَّر بنحو 600 مليار جنيه في مؤسسات الدولة، سارع إلى تعيين بدوي خلفاً له في المنصب، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها عقاب لكاشف الفساد ومكافأة لمن يلتزم بالصمت. وخلال ثماني سنوات ترأس فيها بدوي الجهاز، لم يُعلن عن أي ملفات فساد كبرى، كما غاب الدور الرقابي للجهاز عن صناديق سيادية وحساسة، أبرزها صندوق “تحيا مصر”.
مسار مهني مرتبط بالأمن لا بالرقابة
قبل رئاسته للجهاز الرقابي، أمضى بدوي سنوات طويلة في نيابة أمن الدولة، التي عملت لعقود في ظل قوانين الطوارئ، وتدرّج داخلها حتى قمة هرمها. وتولى التحقيق في قضايا سياسية وأمنية شديدة الحساسية، من بينها قضية “خلية حزب الله” عام 2009، وقضية “خلية مدينة نصر” عام 2012، فضلاً عن اتهامات وُجهت له بإجراء “تحقيقات مصطنعة” في قضايا شهيرة، مثل قضية “سلسبيل” عام 1992.
كما ارتبط اسمه بملفات انتهت ببراءات مثيرة للجدل، شملت قضايا غسل الأموال المتهم فيها أحمد عز، وقضية تصدير الغاز إلى إسرائيل، التي حصل فيها مسؤولون ورجال أعمال بارزون على أحكام بالبراءة.
برلمان مكافأة على الولاء
في ضوء هذا المسار، لا يبدو اختيار بدوي لرئاسة البرلمان حدثاً معزولاً، بل رسالة مباشرة إلى أعضاء نيابات أمن الدولة وأذرع القضاء الموالية: إن الولاء للسلطة، وتكييف الاتهامات، وتقنين القمع، هي الطريق الآمن للترقي السياسي وتولي المناصب السيادية.
وبذلك، يتحول البرلمان من سلطة تشريعية ورقابية إلى مكافأة تُمنح لمن أدوا أدوارهم بإتقان في تثبيت أركان الحكم، في مشهد يُجسد تماهياً كاملاً بين السلطتين التنفيذية والقضائية، على حساب العدالة، واستقلال المؤسسات، وإرادة الشعب.