شهدت ليبيا خلال الأيام الأخيرة أحداثًا جديدة، أعادت تسليط الضوء على عثور السلطات الليبية على مقبرة جماعية تضم 21 مهاجرًا من إفريقيا جنوب الصحراء في منطقة أجدابيا شرق البلاد بينهم مصريون، وذلك خلال عملية أمنية استهدفت شبكات تهريب البشر.
وأثار هذا الاكتشاف موجة واسعة من القلق، ليس فقط بسبب فظاعة الجريمة، بل أيضًا لأنه يعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون في ليبيا، البلد الذي تحوّل منذ سنوات إلى نقطة عبور خطرة نحو أوروبا.
وانتشرت معلومات على منصات التواصل تشير إلى وجود مصريين ضمن ضحايا المقبرة، وتزامنت الحادثة مع استغاثة عاجلة نشرتها د. أميرة الطحاوي، تكشف عن واقعة جديدة تتعلق بمصريين محتجزين لدى أحد المهربين في المنطقة الشرقية من ليبيا.
هذا التزامن بين الحدثين يبرز حجم المخاطر التي يواجهها المهاجرون، سواء كانوا من إفريقيا جنوب الصحراء أو من دول الجوار مثل مصر.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=10161751886481851&set=a.10151073493876851
مأساة المهاجرين
ووفقًا للبيانات الرسمية، عُثر على الجثث مدفونة في حفرة جماعية داخل مزرعة خاصة، حيث تم أيضًا تحرير مهاجرين آخرين كانوا محتجزين في ظروف قاسية.
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن الضحايا قُتلوا عمدًا على يد مهرب محلي، ألقي القبض عليه خلال المداهمة، وبسبب تغوّل شبكات التهريب، لا تتردد هذه الشبكات في ارتكاب جرائم قتل جماعي لتحقيق مكاسب مالية أو للتخلص من مهاجرين لم يعودوا قادرين على دفع المبالغ المطلوبة.
وتعكس هذه الجريمة نمطًا متكررًا في شرق ليبيا، حيث تنتشر مراكز احتجاز غير رسمية يديرها مهربون أو مجموعات مسلحة، وتُسجّل فيها انتهاكات تشمل التعذيب، الابتزاز، العمل القسري، والقتل.
وفي ظل غياب سلطة مركزية قوية، تصبح حياة المهاجرين رخيصة، وتتحول ليبيا إلى منطقة عبور محفوفة بالموت بحسب تقارير.
مأساة مصرية تتكرر
في موازاة هذا الحدث، نشرت د. أميرة الطحاوي استغاثة مؤلمة تكشف عن احتجاز مجموعة من المصريين من مركز أبنوب بمحافظة أسيوط، وآخرين من المنيا، لدى مهرب ليبي معروف باسم "سمبل" أو "أبو حمو".
وبحسب المنشور، خرج هؤلاء الشباب من مصر بصورة نظامية في يوليو من العام الماضي، قبل أن يتم نقلهم بين عدة مخازن داخل ليبيا.
وأوضحت أن الأسر كانت على تواصل مع المهرب، وحاولت إعادة أبنائها مقابل مبالغ مالية كبيرة، حيث دفعت بالفعل ما يقارب 420 ألف جنيه.
وفي الأسبوع الماضي، أبلغهم المهرب أنه أعاد أبناءهم إلى منفذ أمساعد البري تمهيدًا لعودتهم إلى مصر، لكن الأسر فوجئت باستغاثات جديدة من أبنائها تفيد بأن المهرب أجبرهم على ركوب قارب، ثم أبلغ عنهم وسلّمهم إلى منطقة بئر الغنم.
وتابعت، أن المهرب بدأ في ابتزاز الأسر، مطالبًا بمبلغ 110 آلاف جنيه، عن كل فرد مقابل إطلاق سراحهم. وتشير المعلومات إلى أن المجموعة تضم 12 شخصًا من أبنوب، بينهم أبناء عمومة ومعظمهم فوق سن 18 عامًا، ومن بينهم 10 مواطنين أقباط، إضافة إلى آخرين من المنيا.
وتؤكد الأسر أنها تمتلك كامل البيانات المتعلقة بأبنائها وبالمهرب، وأنها حاولت تصحيح خطأ اللجوء إلى الهجرة غير النظامية، لكنها الآن تطالب فقط بإنقاذ أبنائها من مصير مجهول.
وقال مراقبون: إن "ما يحدث نمط متكرر من الابتزاز والاحتجاز القسري الذي يمارسه بعض المهربين، مستغلين غياب الرقابة الأمنية وتعقيدات المشهد السياسي".
البيئة الأمنية في شرق ليبيا
وقالت تقارير: إن "منطقة أجدابيا ومحيطها تخضع لسيطرة قوى محلية، لكن انتشار السلاح وتعدد المجموعات المسلحة يجعل ضبط الحدود وملاحقة المهربين مهمة شديدة التعقيد".
ورغم الحملات الأمنية المتكررة، ما تزال شبكات التهريب قادرة على العمل، بحكم المصالح بينها وبين حفتر الذي وقعت معه اوروبا اتفاقا لمنع الهجرة غير الشرعية مقابل أموال ضختها له، ومارس هو الحرق وإغراق السفن أو قتل المهاجرين مستفيدا من:
- اتساع الصحراء وصعوبة مراقبتها.
- ضعف الرقابة على المزارع والمخازن التي تُستخدم كمراكز احتجاز.
- تداخل مصالح بعض المهربين مع عناصر محلية نافذة.
هذا الوضع يضع على عاتق سلطات حفتر مسؤولية كبيرة في حماية المدنيين والمهاجرين، وملاحقة شبكات التهريب التي تعمل أحيانًا تحت أنظار القوى المسيطرة، إلا أنه ومنذ عام 2017، اعتمد الاتحاد الأوروبي سياسة تقوم على منع المهاجرين من الوصول إلى السواحل الأوروبية عبر دعم خفر السواحل الليبي، وتمويل برامج تدريب وتجهيز.
ورغم أن هذه السياسات خفّضت أعداد الواصلين إلى أوروبا، فإنها:
- دفعت المهاجرين إلى طرق أكثر خطورة.
- زادت اعتمادهم على المهربين.
- أبقت آلاف المهاجرين عالقين في ليبيا في ظروف غير إنسانية.
وقد انتقدت منظمات دولية هذا النهج، معتبرة أنه يساهم في إبقاء المهاجرين تحت رحمة شبكات التهريب.
الحاجة إلى تحرك عاجل
وبحسب مراقبين، تتطلب الحادثتان—المقبرة الجماعية واستغاثة الأسر المصرية—تحركًا سريعًا على عدة مستويات:
- تحقيق شفاف في المقبرة الجماعية.
- ملاحقة المتورطين في احتجاز المصريين وابتزاز أسرهم.
- تعاون مصري–ليبي لحماية المواطنين.
- إعادة النظر في السياسات الأوروبية التي تدفع المهاجرين إلى طرق الموت.
- فتح ممرات إنسانية آمنة تقلل الاعتماد على المهربين.