مع انطلاق موسم زراعة القمح، فوجئ المزارعون بندرة التقاوى المعتمدة فى المنافذ الرسمية، رغم إعلان حكومة الانقلاب جاهزية الموسم وهو ما آثار التساؤل : هل المشكلة فى حجم الإنتاج أم فى منظومة التوزيع؟ ولماذا لا تتناسب الكميات المطروحة مع المساحات المستهدفة بالزراعة؟
وكشف مزارعون أن التقاوى نفدت مبكرًا، بينما لم تُفتح منافذ جديدة أو تُطرح بدائل واضحة، وحذروا من أن هناك فجوة بين التخطيط واحتياجات الأرض الفعلية.
وفى ظل الغياب الرسمى، تمددت سوق موازية لتجارة التقاوى علنًا تفتقر لأى معايير جودة، بسبب غياب دور الأجهزة الرقابية فى ضبط الأصناف غير المسجلة التى تهدد هذا المحصول الاستراتيجي
أسعار مرتفعة
حول هذه الأزمة قال عبده عبد الشافى، أحد مزارعى القمح بمحافظة قنا دخلت الجمعية الزراعية وأنا مطمئن، باعتبار أن تقاوى الحكومة هى الأضمن والأوفر، لكنى فوجئت بالسعر المرتفع للتقاوي، مؤكدا أن سعر التقاوى قلب حساباته رأسًا على عقب، لأن تكلفة شراء التقاوى من الجمعية تجاوزت قدرته، وأضافت عبئًا جديدًا إلى قائمة طويلة من المصروفات التى تشمل السماد والرى والعمالة .
وأضاف عبده فى تصريحات صحفية : عدت إلى المنزل وأنا أتساءل: من أين أدبر هذه المصاريف والتقاوى التى احتفظ بها من الموسم الماضى لم تعد صالحة للزراعة، بعد أن أُنهكت بفعل التخزين؟
وأشار إلى أنه طلب من أحد جيرانه 32 كيلو من “تقاوى الكسر” على سبيل السلفة، وبالفعل وافق الجار على منحه التقاوى بنصف الثمن فبينما كانت الكمية نفسها تُباع فى الجمعية الزراعية بنحو 1100 جنيه، حصل عليها من جاره مقابل نحو 450 جنيهًا فقط.
وأكد عبده أن التقاوى الحكومية تكون متاحة فى السوق السوداء بأسعار أعلى، موضحًا أن بعض المزارعين يحصلون على التقاوى المدعومة ثم يعيدون بيعها لتحقيق ربح سريع.
تقاوى القمح
وشدد حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، على ضرورة توزيع تقاوى القمح المعتمدة على المزارعين فى توقيت مبكر، قبل بدء الموسم الرسمى، لتفادى التأخر عن مواعيد الزراعة التى تمتد من شهر نوفمبر وحتى نهاية ديسمبر من كل عام، مؤكدا أن الالتزام بالتوقيتات الزراعية يمثل عاملًا حاسمًا فى تحقيق إنتاجية مرتفعة للمحصول.
وأوضح أبو صدام فى تصريحات صحفية أن ما أثير مؤخرًا حول وجود نقص فى تقاوى القمح يرتبط بـ«فجوة تقديرية» بين المساحات التى يتم التخطيط لزراعتها، وبين العدد الفعلى للمزارعين الذين يتجهون لزراعة القمح كل موسم.
وأشار إلى أن هذه الفجوة قد تظهر من وقت لآخر نتيجة غياب بيانات دقيقة ومحدثة عن خريطة المحاصيل، وهو ما يربك حسابات الإنتاج والتوزيع.
وأضاف أبو صدام أن التقديرات غير الدقيقة قد تقود أحيانًا إلى نتائج عكسية، ففى بعض المواسم تقوم الوزارة بإنتاج كميات من التقاوى تفوق الطلب الفعلى، ما يضطرها لاحقًا إلى إعدام الفائض غير المستخدم، وهو ما يمثل خسائر مالية كبيرة تتحملها حكومة الانقلاب. وفى مواسم أخرى، قد يحدث العكس، حيث يتجاوز الإقبال على زراعة القمح الكميات المقدرة من التقاوى، فتظهر شكاوى النقص فى بعض المناطق.
وحول ارتفاع أسعار التقاوى فى السوق، أرجع ذلك إلى تأخر بعض المزارعين فى زراعة المحصول فى موعده المناسب، الأمر الذى يفتح المجال أمام تجار التقاوى لاستغلال هذا التأخير وطرح التقاوى بأسعار أعلى من السعر الرسمى .
الأرقام الرسمية
واشار أبو صدام إلى توجه بعض المزارعين إلى الجمعيات الزراعية للحصول على تقاوى القمح ليس بغرض زراعة المحصول، وإنما للاستفادة من حصة الأسمدة والمبيدات المقررة على القمح، ثم استخدامها فى زراعات أخرى، مؤكدا أن هذا السلوك يضر بالمنظومة الزراعية ككل، لأنه يؤدى إلى تشويه البيانات المتعلقة بالمساحات المزروعة فعليًا، ويخلق فجوة بين الأرقام الرسمية والواقع على الأرض، ما ينعكس فى النهاية على حجم الإنتاج الكلى للمحصول.
وحول جودة التقاوى، حذر من الاعتماد المتكرر على ما يعرف بـ«التقاوى المكسورة» لأكثر من موسم، مؤكدًا أن إعادة استخدام التقاوى لعدة سنوات متتالية قد يؤدى إلى ضعف المحصول تدريجيًا، بما يؤثر سلبًا على متوسط الإنتاج العام.
و أوضح أبو صدام أن الجمعيات الزراعية تقوم بتوزيع التقاوى فى أجولة بوزن 30 كيلوجرامًا للشيكارة الواحدة، بينما يحتاج الفدان فى المتوسط إلى نحو 150 كيلوجرامًا لإنتاج ما يقارب 22 أردب قمح للفدان كمتوسط عام.
الزراعة العشوائية
وأكد الخبير الزراعي المهندس صباح بلال، أن المنظومة الزراعية تحتاج إلى رؤية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة.
وشدد «بلال» فى تصريحات صحفية على أن الزراعة العشوائية أو غير الملائمة لطبيعة الأرض تؤدى إلى خسائر فادحة، سواء على مستوى الإنتاج أو جودة المحصول.
وحول تأثير الأوضاع الاقتصادية، أوضح أن الحالة الاقتصادية لأى محصول تلعب دورًا حاسمًا فى إنتاجه وجودته، لافتًا إلى أن الفلاح غالبًا لا يشعر بالعائد الحقيقى بسبب وجود حلقة من الوسطاء أو «السماسرة» بينه وبين التاجر، تستنزف هامش الربح.
وأضاف : هذه الحلقة تمثل عبئًا كبيرًا على المزارع، وتُضعف الحافز على التوسع فى الزراعة، موضحا أن تحديد سعر توريد القمح خطوة تشجع الفلاحين على زراعته وتوريده لكن ذلك لا يحل الإشكالية الجوهرية المتمثلة فى ثبات المساحة المزروعة بالقمح.
وأكد«بلال» أن الرقعة الزراعية المخصصة للقمح شبه ثابتة، ولا يمكن زيادتها على حساب محاصيل أخرى دون الإضرار بالتوازن الزراعى .
وحول استخدام تقاوى القمح “الكسر”، قال إن المزارع قد يلجأ لإعادة زراعتها إذا كانت تتمتع بجودة مناسبة وتتلاءم مع خصائص الأرض، محذرا من خطورة تغيير نوع التقاوى دون مراعاة طبيعة التربة، لأن ذلك قد يقلل إنتاجية المحصول.
وأوضح «بلال» أن مصر من أكبر الدول المستوردة للقمح نتيجة الاعتماد الكبير على رغيف الخبز كغذاء أساسى، مؤكدًا أن الحل الجذرى لا يكمن فقط فى تحسين الإنتاج، بل فى استصلاح أراضٍ جديدة صالحة لزراعة القمح.
وأشار إلى أن الزيادة السكانية المتسارعة تفرض مضاعفة الإنتاج، ما يتطلب التوسع الأفقى فى الرقعة الزراعية، بالتوازى مع التوسع الرأسى عبر تحسين التقاوى ورفع كفاءة الإنتاج.