تواصلت ردود أفعال خبراء المياه والموارد المائية على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا، لحسم ملف تقاسم مياه النيل، وخفض التوتر حول سد النهضة .
وقال الخبراء: إن "هذا التحرك الأمريكي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الوساطة في هذه المرحلة، ومدى قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة بعد تحول سد النهضة إلى أمر واقع".
فيما ذهب بعض الخبراء إلى أن مبادرة الرئيس الأمريكي، لإعادة الوساطة بين مصر وإثيوبيا في ملف سد النهضة قد تؤتى بثمارها لكن بشروط.
وشددوا على ضرورة أن تتجاوز جهود الوساطة الإطار السياسي العام إلى معالجة تقنية وقانونية دقيقة، وأن تركز على تنظيم الواقع القائم من خلال اتفاق ملزم لقواعد التشغيل طويلة الأمد، وآليات واضحة للتنسيق خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، مع ضمان تبادل البيانات بشفافية كاملة .
وأوضح الخبراء أن مبادرة ترامب تعكس رغبة سياسية في إعادة الولايات المتحدة إلى طاولة إدارة أحد أعقد النزاعات المائية في العالم، إلا أن تحويل هذه الرغبة إلى حل فعلي يتطلب إرادة دولية جماعية، واستعدادًا إقليميًا لتغليب منطق التعاون على سياسة فرض الأمر الواقع .
يشار إلى أن هذا العرض يأتي بعد توقف مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، والفشل في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم حول قواعد الملء والتشغيل، بسبب التصرفات الأحادية لأديس أبابا، وبذلك تعود الأزمة إلى الواجهة بعد رسالة ترامب إلى السيسي التي أكد فيها استعداده للتدخل، لإيجاد حلول ووضع سيناريوهات الحل ووقف التصعيد.
جدوى الوساطة
في هذا السياق قال أستاذ تخطيط وإدارة الموارد المائية الدكتور علاء عبدالله الصادق: إن "مبادرة الرئيس الأمريكي بشأن سد النهضة، أعادت فتح النقاش مجددًا حول مستقبل هذا الملف المعقد، خاصة في ظل المتغيرات الجديدة التي فرضتها أثيوبيا بعد الانتهاء من مراحل الملء وبدء التشغيل الفعلي".
وقال الصادق في تصريحات صحفية: إن "هذا التحرك الأمريكي يأتي في توقيت بالغ الحساسية، ما يثير تساؤلات جوهرية حول جدوى الوساطة في هذه المرحلة، ومدى قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في مسار الأزمة بعد تحول السد إلى أمر واقع".
وأكد أن الرسالة التي وجهها ترامب إلى السيسي تحمل دلالات واضحة بشأن استعداد واشنطن للعب دور الوسيط مرة أخرى، بهدف التوصل إلى حل عادل ومتوازن يراعي احتياجات إثيوبيا التنموية في مجال الطاقة، وفي الوقت نفسه يحمي الحقوق المائية التاريخية لكل من مصر والسودان، كما عكست إدراكًا أمريكيًا لأهمية الملف باعتباره قضية أمن قومي مصري، وليس مجرد خلاف فني أو تنموي.
وشدد الصادق على أن نجاح الدور الأمريكي لا يمكن استبعاده في هذه المرحلة، شريطة أن يتجاوز الإطار السياسي العام إلى معالجة تقنية وقانونية دقيقة، بحيث تركز الوساطة على تنظيم الواقع القائم من خلال اتفاق ملزم لقواعد التشغيل طويلة الأمد، وآليات واضحة للتنسيق خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، مع ضمان تبادل البيانات بشفافية كاملة.
قضية وجودية
وأشار إلى أن أي مسار تفاوضي لا يتضمن ضمانات تنفيذ حقيقية وآليات رقابة دولية واضحة، سيظل عرضة للتعثر، خاصة في ظل تجارب سابقة أثبتت هشاشة التعهدات غير الملزمة، مطالبا حكومة الانقلاب بضرورة التعامل بحذر محسوب مع أي وساطة جديدة، مع التمسك بحقوق مصر في حماية أمنها المائي باعتباره قضية وجودية.
وحول جدوى الوساطة بعد اكتمال التخزين في السد، أكد الصادق أن الأمر لم يعد يتعلق بمنع الخطر، بل بتقليل آثاره وإدارته، لافتًا إلى أن غياب التفاوض المنظم يعني استمرار التوتر وعدم اليقين، وهو سيناريو يحمل مخاطر إقليمية لا تصب في مصلحة أي من الأطراف.
وأوضح أن مبادرة ترامب تعكس رغبة سياسية في إعادة الولايات المتحدة إلى طاولة إدارة أحد أعقد النزاعات المائية في العالم، إلا أن تحويل هذه الرغبة إلى حل فعلي يتطلب إرادة دولية جماعية، واستعدادًا إقليميًا لتغليب منطق التعاون على سياسة فرض الأمر الواقع، وإلا ستظل أزمة سد النهضة مفتوحة على سيناريوهات أكثر تعقيدًا خلال السنوات المقبلة.
اتفاق ملزم
ورحب خبير المياه بالأمم المتحدة الدكتور أحمد فوزي، بأي مساع دولية أو أفريقية تهدف إلى التوصل لحلول لأزمة سد النهضة بين دولتي المصب وإثيوبيا، ومن بينها جهود الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة أن إرساء مبادئ السلام والتعاون بين دول حوض النيل يجب أن يتم بما لا يضر بالمصالح المشتركة أو بكميات المياه.
وقال فوزي في تصريحات صحفية: إن "المشكلة الأساسية تتمثل في توقيتات الملء والتشغيل وآليات إدارة السد، حتى لا تترتب عليها تأثيرات سلبية على كلٍ من مصر والسودان، أو على معدلات تصريف المياه، بما قد ينعكس على الأمن المائي للبلدين".
وشدد على ضرورة التوصل إلى اتفاق ثلاثي ملزم بين الدول الثلاث لإدارة سد النهضة، على غرار الاتفاقات المنظمة للأنهار الدولية مثل نهر النيجر.
