خالد الحروب /يكتب : “عقيدة ترامب”… عودة الكاوبوي بلا حياء

- ‎فيمقالات

يعيد ترامب العالم إلى عصر ما قبل الحرب العالمية الأولى، إذ يسود مبدأ القوة العارية والاحتلال والاستعمار الفجّ. كل ما توافق عليه العالم بعد الحربَين العالميَّتَين من قواعد وأعراف وقانون دولي والأمم المتحدة، تحوّل إلى كومةٍ من الورق المُحَبَّر لا تساوي شيئاً. نحن هنا أمام ما يمكن وصفه حقّاً بـ"عقيدة ترامب"، تستلزم محاولة استكناه عناصرها، وكيف تنعكس هذه العناصر على العالم شرقاً وغرباً، بما فيه منطقتنا. عنوان العقيدة الترامبية وعمودها الفقري مبدأ "أميركا أولاً"، الذي يعني تقديم أميركا ومصالحها على أيّ مصالح أو أطراف أخرى، بما في ذلك أقرب الحلفاء. لا حلول وسطاً، لا توافقات ولا تنازلات تعزّز مبدأ الاعتماد المتبادل، ولا مساومات يستفيد منها الجميع. أميركا تأخذ كل ما تريد، وما يتبقّى من فتات ينعم به الآخرون. الاستثناء الوحيد من هذا المبدأ هو إسرائيل، والجدل حولها اليوم محتدم في صفوف حملة شعار "أميركا أولاً" و"إعادة أميركا عظيمة" (MAGA). أميركا ترامب مستعدّة للبطش بحلفائها الخُلّص أو إخضاعهم لسياسات جديدة، بما في ذلك دول حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي، ولا تتردّد في تبنّي أقصى الخيارات، كما هو بادٍ في رغبتها في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية في المحيط الأطلسي.

يلي ذلك في "عقيدة ترامب" تبنّي استراتيجيات هجومية تحاول قطع الطريق على التوسّع الصيني أو الروسي عالمياً، وإطالة أمد الأحادية القطبية الأميركية. تختلط هنا النيّات والغايات بين ما هو مُعلن من أهداف وما هو خفيّ منها، ولكن البُعبُعَين الصيني والروسي يبقيان ماثلَين في التفكير الترامبي، المُشخْصَن والمُمَأسَس. في عملية الاختطاف البلطجية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وفي إعلان الرغبة المتكرّرة في امتلاك غرينلاند، يعاود ترامب عزف الموال الصيني – الروسي، وأنه لن يسمح لأيٍّ من البلدَين بالوجود قريباً من الولايات المتحدة وحيّز نفوذها.

 

 

    على الرغم من أن نرجسية ترامب أصبحت موضع تندّر عالمي، فإنّ غالبية رؤساء الدول والمسؤولين خضعوا لها، ولا يغفلون عن كيل المديح للرئيس ترامب و"عبقريته واستثنائيته"

 

يتماهى هذا العنصر في "عقيدة ترامب" مع عنصر آخر، وهو وضع اليد على الثروات العالمية فيما أمكن من أقاليم العالم، عبر اتفاقيات اقتصادية وتجارية مجحفة، أو بالقوة العسكرية إن لزم. شهدنا هذا في سلسلة اتفاقيات فرض ضرائب على معظم الدول التي لها علاقات تجارية مع الولايات المتحدة، وشهدناه أيضاً في زيارات ترامب لدول الخليج العربي، وإجبارها على ترسيم استثمارات ضخمة في السوق الأميركية. يجري ذلك كلّه ضمن إعلان فجّ ومباشر حول تجاوز القانون الدولي والأمم المتحدة، وأيّ أعرافٍ عالميةٍ قد تقف في وجه تحقيق الأهداف الأميركية – الترامبية. تُنتج تلك العناصر مجتمعةً عنصراً إضافياً يُتوّج "عقيدة ترامب"، وهو عنصر "الإرباك الدولي"، يرتبك الجميع، وتدبّ الفوضى السياسية في صفوف الكل، خصوماً وحلفاء، ويتموضعون في موقف الدفاع واتقاء الضربات من خلال قبول اشتراطات جديدة، أو تغيير تحالفات، وهذا بحد ذاته يفتح آفاقاً محتملةً أو غير متوقّعةٍ للنفوذ الأميركي هنا وهناك.

على صعيد الأدوات وتكتيكات التطبيق، تُترجم تلك العقيدة وتُطبَّق من خلال أساليب عديدة، معظمها صادم وينافي أبجديّات العلاقات الدولية وما اعتادته الدبلوماسية. من تلك الأساليب، موضعة الاستعراض النرجسي الترامبي واحداً من عناصر الدبلوماسية العالمية، فيصبح الحصول على رضى الرئيس الأميركي على المستوى الشخصي، وتمسيد الأنا الخاصة به، مسألةً جوهرية، وتحتلّ قلب التعاملات السياسية الثنائية والتعدّدية. يعبّر ترامب، بتكرار وبلا خجل، عن رغبة طفولية علنية وشبق لا يشبع لنسبة الإنجازات إليه، كبيرها وصغيرها. في كل خطاب ومؤتمر صحافي تقريباً يذكّر الجميع بأنه رجل خارق ورئيس استثنائي: فقد أوقف الحروب عالمياً، وقلّل البطالة والتضخّم محلّياً، وفكّك البرنامج النووي لهذه الدولة، وأوقف طموح تلك، وهكذا… وغالب ذلك أكاذيب صلدة. غيرته من كل رئيس سابق سطع نجمه، سواء في الولايات المتحدة أم في غيرها، تشابه غيرة ولد في الابتدائية، ومع ذلك يسايره العالم كلّه في ولدناته هذه. وقد رأينا نجاحاً كبيراً لتوظيف أداة النرجسية الترامبية في هذا الصعيد؛ إذ رغم أن هذه النرجسية أصبحت موضع تندّر عالمي، فإنّ غالبية رؤساء الدول والمسؤولين وغيرهم أيضاً خضعوا لهذه النرجسية، ولا يغفلون عن كيل المديح للرئيس وإبداء إعجابهم بـ"عبقريته واستثنائيته" لهذه الدرجة أو تلك.

 

    تُترجم "عقيدة ترامب" وتُطبَّق بأساليب معظمها صادم وينافي أبجديّات العلاقات الدولية والدبلوماسية

 

الأسلوب الثاني الذي يُتبع لتطبيق "عقيدة ترامب" توظيف تهديدات غير مسبوقة لأيّ طرف أو أطراف تُستهدف، سواء تهديدات عسكرية وأمنية، كما في حالة إيران وفنزويلا وغرينلاند، أم تجارية أم ضريبية كما في عشرات الحالات. ويمكن القول إن أسلوب رفع نبرة التهديد، وتطبيقه في بعض الأحيان، جاء به ترامب من خلفيته رجلَ أعمالٍ ومضارباً وصاحب صفقات؛ إذ يرفع سقف التهديد أو المطالبات إلى الحدّ الأقصى، مرهِّباً الآخرين لإخضاعهم لقبول صفقاته وفق شروطه. الأسلوب الثالث المُلاحظ في تطبيق "عقيدة ترامب" هو التراجع الحادّ عند اللزوم، وعدم الاكتراث بمسألة المصداقية والسمعة (كما حصل أخيراً إزاء إيقاف ضربة إيران أو تأجيلها، ربما خداعاً)، ويترافق مع ذلك قدرة هائلة على الكذب العلني والتلفيق وتسويق التضليل الإعلامي. ما يهم هنا هو إيجاد مناخ من التوتّر والخوف عند الخصوم والأصدقاء، وبيئة مُربكة تقلّل من القدرة على التنبؤ بما يمكن القيام به.

بيد أن أحد الأسئلة الكبيرة التي تطرحها "عقيدة ترامب" يتمثّل فيما إذا كانت عناصر هذه العقيدة تعبّر عن ترامب رئيساً عابراً وحقبة سياسية تتبعها حقب مغايرة، أم أنها تعبّر في معظمها، وبعيداً عن فردانية وفرادة ترامب، عن جوهر كامن في السياسة الأميركية ظلّ متوارياً خلف طبقات من الدبلوماسية الناعمة، التي دأبت على تغطية أنياب الوحش بابتسامات مخادعة. هل تنقل "عقيدة ترامب" الاستراتيجيات الأميركية في هذه الحقبة الحسّاسة (حقبة الصعود الصيني المحتمل والحضور الروسي الغاضب) إلى نوع جديد ودائم من المواجهة التي لا تأبه للسياسة والحوار والدبلوماسية، وتستحضر عقلية الكاوبوي الذي ينطلق على ظهر حصانه في البراري التي يغزوها، غارساً رايته في أقصى نقطة يقوده إليها حصانه، ثم يدّعي ملكية الأرض، ويتحصّن ليقتل من يقول غير ذلك؟ عندما نحلّل خطابات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ووزير الحرب بيت هيغسيث الموشوم بكل وشوم الحروب القديمة والصليبيّة، وعشرات من قادة الحزب الجمهوري والكونغرس والبنتاغون، فإننا لا نرى إلّا ذلك الكاوبوي، كاشف الوجه من دون مساحيق. ترامب وعقيدته أخرجا هذا التوحّش كلّه، وكل هؤلاء من جحورهم، ورموهم في وجه العالم.