مشروع قانون للحد من استخدام مواقع التواصل يتقاطع مع صعود “جيل زد”

- ‎فيتقارير

البرلمان وتشريعات «الضبط الرقمي»… قراءة سياسية في توقيت مثير

في توقيت لا يخلو من دلالات سياسية، يدرس البرلمان المصري إعداد مشروع قانون جديد، للحد من استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، تحت لافتة «حماية الأطفال من المخاطر الرقمية»، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول خلفيات التشريع، لا سيما مع تصاعد دور "جيل زد" في الفضاء العام، وتراجع فاعلية أدوات السلطة التقليدية في التأثير على الرأي العام، بما في ذلك خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه.
إعلان مجلس النواب تبنّيه توجه الدولة لإعداد تشريع ينظم استخدام تطبيقات ومنصات التواصل، جاء بعد يوم واحد فقط من مطالبة السيسي الحكومة والبرلمان ببحث تشريع مماثل، مستشهداً بتجارب دولية، من بينها أستراليا.

 

غير أن السياق المحلي، وفق مراقبين، يبدو أكثر تعقيداً من مجرد مخاوف تربوية أو نفسية تتعلق بالأطفال.

جيل خارج السيطرة
خلال السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى المجال الحيوي الأوسع لتشكيل الوعي السياسي والاجتماعي لدى فئات الشباب، خصوصاً جيل زد، الذي لا يعتمد على الإعلام الرسمي، ولا يتفاعل مع خطاب السلطة بالقدر ذاته الذي راهنت عليه الدولة منذ 2013، هذا الجيل، الذي تشكّل وعيه في ظل الأزمات الاقتصادية وتراجع الحريات، بات أكثر قدرة على إنتاج السرديات البديلة، وتفكيك الخطاب الرسمي، والسخرية منه أحياناً، وهو ما يضع السلطة أمام معضلة حقيقية.
في هذا السياق، يرى متابعون أن الحديث عن «الفوضى الرقمية» و«الإدمان الإلكتروني» لا ينفصل عن قلق سياسي متنامٍ من فضاء بات عصياً على الضبط الكامل، خصوصاً بعد فشل محاولات الاحتواء الناعم، وحجب أو تقييد عدد من المنصات غير الموالية، من دون أن ينجح ذلك في كبح التفاعل أو كسر دوائر التأثير.

خطاب يتراجع وتأثير يتآكل
يأتي مشروع القانون أيضاً في وقت يتراجع فيه تأثير خطاب السيسي نفسه على المنصات الرقمية، إذ باتت خطاباته تُستقبل بموجات واسعة من النقد والسخرية، أو يتم تجاهلها داخل دوائر شبابية واسعة.

ومع حجب منصته داخل مصر، وتراجع قدرة الإعلام التقليدي على فرض أجندته، تبدو السلطة في سباق مع الزمن لإعادة فرض قواعد جديدة للفضاء الرقمي.
وعلى الرغم من تأكيد رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان طارق رضوان أن المشروع «لا يستهدف المنع أو التقييد»، وإنما «تنظيم الاستخدام الآمن»، إلا أن تجارب سابقة مع تشريعات مشابهة، مثل قوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية، تثير مخاوف حقوقية من توسيع دوائر الرقابة، واستخدام مفاهيم فضفاضة لتقييد حرية التعبير، لا سيما بين الشباب.
تشريع اجتماعي أم أداة سياسية؟
اللافت أن مشروع القانون يُقدَّم باعتباره امتداداً لالتزامات مصر باتفاقية حقوق الطفل، وبالتنسيق مع وزارات سيادية ومجالس قومية، غير أن توقيته، وطبيعة الخطاب المصاحب له، يعززان قراءة ترى فيه محاولة لإعادة ضبط المجال العام رقمياً، بعد أن فشلت أدوات السيطرة التقليدية في احتوائه.
وبينما تتحدث السلطة عن «جيل واعٍ قادر على الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا»، يرى منتقدون أن الوعي الحقيقي لهذا الجيل هو ما يثير القلق، لا العكس، وأن المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في محتوى الواقع السياسي والاجتماعي الذي تنقله تلك المنصات بلا فلترة.
في المحصلة، يعكس مشروع القانون المرتقب صراعاً مفتوحاً بين سلطة تسعى إلى استعادة السيطرة، وجيل رقمي يرفض العودة إلى القوالب القديمة، في معركة يبدو أن ساحتها الأساسية ستظل، رغم كل التشريعات، على الشاشات الصغيرة.