تسريب 790 اسمًا لأبناء القضاة والشرطة والجيش في تعيينات “كشوف النيابة”.. توريث مفضوح

- ‎فيتقارير

 

لم يكن التسريب الأخير لكشوف تعيين 790 معاون نيابة من دفعة 2022، والذي كشف هيمنة أبناء القضاة والشرطة والجيش، حالة استثنائية، بل امتدادًا لنمط متكرر ظهر في ملفات مشابهة خلال السنوات الماضية، مثل تعيينات النيابة الإدارية ومجلس الدولة.

 

في حالة النيابة الإدارية، ظهرت تسريبات سابقة تؤكد أن نسبة كبيرة من المعيّنين كانوا من أبناء القضاة ومسؤولين في الأجهزة الأمنية، ما أثار جدلًا واسعًا حول غياب تكافؤ الفرص. كثير من خريجي كليات الحقوق شعروا بأن الطريق إلى هذه المناصب مغلق أمامهم، وأن التوريث أصبح قاعدة غير معلنة. ورغم أن النيابة الإدارية يفترض أن تكون مؤسسة رقابية مستقلة، فإن التعيينات أظهرت خضوعها لنفس شبكة الولاءات التي تتحكم في القضاء العادي.

 

أما مجلس الدولة، فقد شهد أزمة شهيرة عام 2017 عندما تم تعيين المستشار أحمد أبو العزم رئيسًا للمجلس بقرار رئاسي، متجاوزًا ترشيح الجمعية العمومية للمستشار يحيى دكروري. لم تكن الواقعة مجرد خلاف إداري، بل كشفت عن تدخل السلطة التنفيذية في مؤسسة يفترض استقلالها، وأظهرت أن التعيينات والترقيات تُدار وفق اعتبارات سياسية وأمنية أكثر من كونها مبنية على الكفاءة أو الأقدمية. كما كشفت تسريبات سابقة عن تعيينات داخل مجلس الدولة سيطرة أبناء القضاة على نسبة كبيرة من المناصب، في استمرار للنمط ذاته.

 

تُظهر المقارنة بين هذه الحالات أن التوريث داخل القضاء المصري أصبح سياسة ممنهجة لا مجرد استثناءات. ففي النيابة العامة والنيابة الإدارية ومجلس الدولة يتكرر المشهد نفسه: أبناء القضاة والشرطة والجيش يهيمنون على التعيينات، بينما يُهمَّش آلاف الخريجين الأكفاء. وهذا يعكس أن القضاء لم يعد يُدار بمعايير مهنية، بل أصبح ملفًا سياسيًا وأمنيًا، تسعى السلطة من خلاله لضمان أن من يدخل السلك القضائي هم أبناء المنظومة نفسها، بما يضمن استمرار السيطرة على الأحكام والقرارات.

 

بمعنى آخر، فإن تسريب دفعة 2022 ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التوريث والتدخلات، تؤكد أن القضاء في مصر يُدار بالولاءات والانتماءات، وأن استقلاليته تتآكل مع كل دفعة جديدة من التعيينات.

 

وقد أحدث التسريب الأخير صدمة واسعة لأنه كشف بصورة غير مسبوقة طبيعة التوريث داخل مؤسسات القضاء. الأسماء التي ظهرت في الكشوف أظهرت هيمنة واضحة لأبناء القضاة الحاليين والسابقين، وأبناء قيادات الشرطة والجيش، إضافة إلى أقارب مسؤولين نافذين في الدولة. هذا النمط يعكس أن التعيينات لم تعد مجرد مسألة إدارية، بل أصبحت أداة لإعادة إنتاج شبكة الولاءات داخل الجهاز القضائي، بحيث يظل القضاء محكومًا بعائلات بعينها مرتبطة بالسلطة التنفيذية والأمنية.

 

الأخطر أن التسريب جاء في توقيت حساس، مع تزايد الحديث عن نقل ملفات التعيين والترقيات إلى الأكاديمية العسكرية، ما يثير مخاوف من عسكرة القضاء بشكل مباشر، وتحويله إلى مؤسسة تابعة للجيش والأجهزة الأمنية أكثر من كونه سلطة مستقلة. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل أصبح القضاء في مصر ملفًا يُدار بالولاءات والانتماءات العائلية والأمنية، لا بالكفاءة والمعايير المهنية؟

 

تعكس هذه الكشوف صراعًا على “مفاتيح القضاء”، حيث تسعى السلطة إلى ضمان أن من يدخل السلك القضائي هم أبناء المنظومة نفسها، بما يضمن استمرار السيطرة على الأحكام والقرارات، ويغلق الباب أمام أي استقلالية حقيقية. في المقابل، يثير هذا الوضع غضبًا واسعًا بين خريجي كليات الحقوق الذين يرون أن مستقبلهم يُغلق لصالح أبناء النخبة الأمنية والقضائية، ما يعمّق أزمة الثقة في العدالة ويجعل القضاء أداة سياسية أكثر منه مؤسسة لتحقيق الإنصاف.

 

لا يوجد قضاء مستقل

 

قال المستشار وليد شرابي، رئيس محكمة سابق وعضو لجنة القضاء المستقل، عبر حسابه @waleedsharaby: 

لا يوجد في مصر نادي قضاة يملك الدفاع عن استقلال السلطة القضائية.. السيسي عدل قانون السلطة القضائية ووضع نفسه رئيسًا على تلك السلطة.. الحديث عن أي دور لنادي القضاة لمحاولة منع تولي العسكر سلطة التعيين داخل القضاء عبث وتضليل واستدعاء لمشهد من التاريخ لتجميل حكم ديكتاتوري قبيح.

ويبدو أن السيسي تمكن من إحكام السيطرة على القضاء عبر تعديلات تشريعية مفصلية، أبرزها القانون رقم 13 لسنة 2017 الذي منحه سلطة اختيار رؤساء الهيئات القضائية، ثم قرارات لاحقة عززت نفوذ الرئاسة على التعيينات والترقيات، وصولًا إلى قرارات جمهورية في 2025 أعادت تنظيم مواقع حساسة داخل وزارة العدل. هذه التعديلات حولت القضاء من سلطة مستقلة إلى جهاز يخضع مباشرة لإرادة الرئاسة.

 

في 27 أبريل 2017، أقر مجلس النواب تعديلات على قانون السلطة القضائية رقم 13 لسنة 2017، رغم رفض نادي القضاة، حيث نص القانون على أن رئيس الجمهورية يختار رئيس كل هيئة قضائية (محكمة النقض، النيابة الإدارية، هيئة قضايا الدولة، مجلس الدولة) من بين ثلاثة مرشحين ترشحهم الجمعية العمومية من بين أقدم سبعة أعضاء. هذا التعديل أنهى تقليدًا قضائيًا راسخًا يقوم على قاعدة الأقدمية المطلقة، وجعل التعيين بيد الرئيس مباشرة.

 

أثارت هذه الخطوة أزمة حادة مع القضاة، الذين وصفوا القانون بأنه “سيئ السمعة”، لأنه فتح الباب أمام تدخل السلطة التنفيذية في اختيار القيادات القضائية، وبالتالي التحكم في مسار الأحكام والقرارات. ومع ذلك، مضت الرئاسة في تطبيقه، ليصبح رئيس الجمهورية فعليًا رئيسًا على السلطة القضائية، يحدد من يقودها وفق معايير الولاء السياسي لا الكفاءة أو الأقدمية.

 

لاحقًا، استُخدمت هذه الصلاحيات في تعيين رؤساء مجلس الدولة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة، ما عزز شبكة الولاءات داخل القضاء. وفي 13 أغسطس 2025، نشرت الجريدة الرسمية القرار الجمهوري رقم 428 لسنة 2025، الذي أعاد توزيع مناصب حساسة داخل وزارة العدل، حيث تم ندب قضاة بارزين كمساعدين للوزير لشؤون الإدارات القانونية والمحاكم المختصة وحقوق الإنسان والمرأة والطفل. هذا القرار أظهر أن الرئاسة لم تكتف بالتحكم في قمة الهرم القضائي، بل امتدت إلى مفاصل الوزارة ذاتها، لضمان أن كل الملفات القضائية والإدارية تمر عبر قضاة موالين.

 

بهذا التسلسل، يمكن القول إن السيطرة على القضاء تمت عبر ثلاث مراحل: 

1. تعديل قانون السلطة القضائية عام 2017 لكسر قاعدة الأقدمية. 

2. استخدام القانون لتعيين رؤساء الهيئات القضائية بما يضمن الولاء. 

3. إصدار قرارات جمهورية لاحقة** لإحكام السيطرة على البنية الإدارية داخل وزارة العدل.

 

النتيجة أن القضاء المصري أصبح ملفًا يُدار من قصر الرئاسة، لا من داخل الجمعيات العمومية للقضاة، ما يثير جدلًا واسعًا حول استقلالية السلطة القضائية.

 

وفي 22 يناير الجاري، استدعى “نادي قضاة مصر” أعضائه من مختلف المحافظات لاجتماع عاجل مفتوح بعد تصاعد الجدل حول أمر جسيم مرتقب، وسط حديث عن إلغاء مكتب التعيينات بمكتب النائب العام، وسحب ملف التعيينات والترقيات من القضاء وإسناده بالكامل إلى الأكاديمية العسكرية.

 

أمام هذا المشهد، يرى الإعلامي سامي كمال الدين @samykamaleldeen أن “القضاء المصري ينتفض ضد عسكرة القضاء.. وسيحاول السيسي عصر الشرفاء منهم كما فعل جمال عبد الناصر مع عبد الرزاق السنهوري ورفاقه”.

 

في المقابل، عبّر د. مصطفى جاويش @drmgaweesh عن رؤية أخرى قائلًا: 

طاحونة العسكر لا تفرق بين عدو وحبيب… الدولة العسكرية تطحن الجميع بلا استثناء… الهيمنة العسكرية طالت جميع مؤسسات المجتمع المدني بالتهميش والإقصاء والتغييب، وغضب القضاة يعني أنهم يرفضون معسكرات الوطنية المزيفة.