سما حسن / تكتب :ماذا بعد بحر الدم في غزّة؟

- ‎فيمقالات

في الأيام الأولى من المقتلة، كنتُ أنزح مع عائلتي نحو جنوب قطاع غزّة، وتحت وطأة القصف، والحاجة إلى تخزين ما تيسّر من طعام، كنتُ أشقّ بقدمي السوقَ الرئيسيَّة التي يجتمع فيها سكان إحدى البلدات الشرقية لمدينة خانيونس. لفت انتباهي رجلٌ مُسنٌّ كان ينظر نحو السّماء، حيث تُسمع أصوات الصواريخ عن بُعد، وينظر إلى الأرض تارّةً أخرى، وقد اجتمعت حوله مجموعةٌ من الشّبان والصبية. سأله أحدهم سؤالاً مختصراً استطاع أن يشقّ سمعي:

 

– ما هذا يا جدّي؟

 

فقال الجدّ: هناك بحرٌ من الدم قادمٌ على غزّة.

 

فابتلع الجمع ريقه، وسأله آخر بصعوبة:

 

– وماذا بعد؟

 

فأجاب الجدّ الفاني: بعد بحر الدم أيامٌ من السعد.

 

وهكذا غاب الجدّ بين الجموع، وعرفتُ فيما بعد أنّه ينحدر من الطائفة الجريرية، وهي طائفة صوفية دخلت إلى قطاع غزّة قادمةً من سيناء في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وقد أُنشئت لها في غزّة زاويةٌ عُرفت باسم "زاوية شريف الزين"، واشتهر أتباعها بحفظهم القرآن الكريم والآداب الإسلامية، وحظي كبارها باحترام الجميع وتقديرهم، وعُرف عنهم صفاء الفطرة والنقاء الروحي؛ لأنهم يتربّون تربيةً روحيةً خالصة.

 

لم أنسَ يوماً ما سمعته من ذلك العجوز؛ لأنّ بحر الدم فعلاً استمرّ عامين في غزة، والحقيقة أنّه لم يتوقّف بعد، أمام صورة إعلامية زائفة عن توقّف الحرب؛ إذ قتلت إسرائيل نحو 500 شخص منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، في عمليات متفرّقة شملت قصف أبرياء، مدّعيةً أنهم تجاوزوا حدود المنطقة العازلة "الخطوط الصفراء"، وقد وصلوا إليها في أثناء البحث المُضني عن الحطب فلاقوا حتفهم، علاوةً على حوادث اغتيال مرتّبة في أنحاء متفرّقة من القطاع المنكوب.

 

اليوم، وحيث تعدّدت الاقتراحات بشأن مستقبل غزّة، لم أنسَ الجزء الثاني مما تنبّأ به الجدّ الذي تحدّث عن أيّام من السّعد قادمة إلى غزّة. ويبدو أنني، مثل أهل غزّة المفجوعين والمصدومين، وحيث بتنا في كابوسٍ لا ينتهي، قد تحوّلتُ، لفرط ما مرّ بي من أحداث، إلى شخصٍ يتعلّق بالتنبّؤات التي يسمعها هنا وهناك، ويتعلّق أيضاً بالأحلام التي يراها في منامه. وقد التقيت فعلًا بأشخاصٍ أصبحوا يُدمنون البحث عن تفسيرات لمناماتهم، رغم أنهم لم يكونوا يولون لها اهتماماً قبل الحرب. وأعترف بأنني واحدةٌ منهم، وكأنني أتعلّق بقشّة قد تعيدني إلى ماضٍ ليس بعيداً.

 

فيما يتابع كلّ العالم مشاريع ترامب وتوقّعاته نحو بناء غزّة الجديدة، أو "ريفييرا غزّة"، فعليك، إن كنتَ تمتلك القليل من الحدس السياسي، أن تكتشف أن مخطّطات ترامب وشركاته ليست لأهل غزّة، بل ستكون للمُلّاك والمستثمرين العالميين الجدد الذين يمتلكون رؤوس أموال ضخمة، والذين سيعملون أيضاً على مساعدة إسرائيل في تحقيق أحلامها بتغيير التركيبة السّكانية ما بين النهر والبحر لصالح أغلبية يهودية. وإن كانت هذه الخطّة تبدو بعيدة الأمد، إلاّ أن ما يتم على الأرض حرفيّاً يُعدّ ممهّداً لها، من حيث حرص إسرائيل على تدمير القطاع وجعله بيئةً طاردةً للحياة، بحيث يجد من تبقّى من السكان أن الهجرة هي الطريق الوحيد للنجاة من المعاناة اليومية.

 

إذا كان الهدف المعلن للخطط الأميركية إعادة بناء غزّة، فالهدف الخفيّ ترتيب مشروع يُعرف بإعادة الهندسة السياسية للمنطقة، بحيث يُدار هذا المشروع بأدوات اقتصادية تعمل مثل المبضع في جسد الميت؛ لأنه سيقضي تماماً على الحقوق الوطنية والسيادة الفلسطينية، بدءاً من غزة وامتداداً إلى الضفة الغربية لاحقاً، وفي خطى حثيثة لا تتوقف.

 

وإذا كان عليك أن تلاحق تنبؤات الشيخ الصوفي وتنتظر أيّام السعد في غزّة، فعليك أن تتذكّر أن اللغة الناعمة تُخفي خلفها سموماً قاتلة، وعليك ألّا تنظر إلى الكوب الممتلئ دائماً؛ فمجلس السلام الذي أُعلن عن تشكيله لإدارة الشؤون الدولية، ومنها غزة، يديره مجرمٌ وداعمٌ للإرهاب، يسعى نحو تصفير الأفق السياسي للقضية الفلسطينية أولاً وأخيراً.