التعاون مع الكيان الصهيوني لم يعد مجرد ملف دبلوماسي أو أمني، بل تحوّل إلى عبء سياسي وأخلاقي يثقل كاهل السعودية ويضعها في موقع حساس بين القرب والبعد عن سياسات تل أبيب.
وباتت كل خطوة تقارب تُقابل بانتقادات داخلية وخارجية، وكل محاولة ابتعاد تُفسَّر كتهديد لمعادلات القوة التي يسعى الصهاينة لإعادة تشكيلها في الخليج.
هذا التذبذب ينعكس في الخطاب الديني المثير للجدل، في اللقاءات الدبلوماسية غير المعلنة، وفي التحليلات الدولية التي ترى أن السعودية عالقة بين ضغوط أمريكية للتطبيع، ومنافسة إماراتية مدعومة صهيونيا، وانكشاف قضائي في قضايا التجسس.
غانم الدوسري
وفي تطور قضائي بارز، أصدرت المحكمة العليا في لندن حكمًا لصالح المعارض السعودي غانم الدوسري ضد الحكومة السعودية، بعد ستة أعوام من رفع دعواه عام 2019، بعد أنهم اتهم الدوسري حكومة ابن سلمان باستخدام برنامج التجسس "الإسرائيلي" (بيجاسوس) لاختراق هواتفه في يونيو 2018، وهو البرنامج الذي يُباع للحكومات فقط.
ورفضت المحكمة حجة "حصانة الدولة"، وألزمت السعودية بدفع تعويض يتجاوز 15 مليون ريال (4.1 مليون دولار). القاضي أكد أن هناك أساسًا مقنعًا للاستنتاج، بأن أجهزة آيفون الخاصة بالدوسري قد اختُرقت بتوجيه من السعودية أو عملاء نيابة عنها، وأقر بمسؤوليتها المرجحة عن الاعتداء الجسدي الذي تعرض له المعارض، الحكم أشار أيضًا إلى أن الحكومة السعودية اتخذت قرارًا مدروسًا بتجاهل الإجراءات القضائية، وفقًا لوكالة رويترز.
https://x.com/keymiftah79/status/2015858866672595330
لقاء سعودي صهيوني
والحكم يأتي في وقت تتزايد فيه مؤشرات الانفتاح السعودي غير المعلن على الكيان الصهيوني، ففي مؤتمر دافوس بسويسرا، انضمت السفيرة السعودية ريما بنت بندر إلى غداء خاص جمعها برئيس كيان الاحتلال إسحاق هرتسوج، بعد توقيع ترامب على وثيقة انطلاقة "مجلس السلام" الجديد.
واستضاف اللقاء ديفيد روبنشتاين ورئيسة ميتا دينا باول، وشهد حضور شخصيات صهيونية بارزة. صحيفة جويش إنسايدر نقلت أن ريما وهرتسوج تبادلا تصريحات متفائلة بشأن المنطقة، ما يعكس انفتاحًا سعوديًا غير معلن على التطبيع.
https://x.com/keymiftah79/status/2014599308109091145
وسبق أن كشف حساب @keymiftah79 رصد الكاميرات ما بدا أنه استئذان نائب الرئيس الأمريكي فانس من السفيرة ريما بنت بندر قبل أن يقترب لإعطائها قبلة ترحيب على خدّها، وجرى ذلك أثناء استقبال فانس وزوجته في وليمة العشاء الرسمية التي أقيمت في البيت الأبيض. وذلك قبل نحو شهرين.
https://x.com/keymiftah79/status/1991422178055815422
موازين القوى بيد الاحتلال
في المقابل، رصدت صحيفة "جيروزاليم بوست" تغيرًا "طفيفًا" في سياسات السعودية تجاه الكيان، مشيرة إلى أن المملكة أصبحت أكثر انتقادًا للكيان مؤخرًا. التحليل أرجع ذلك إلى عدة عوامل: حرب غزة التي غيرت التصورات في الرياض، الخطاب المعادي الذي صدر عن أحد أعضاء الائتلاف الحاكم في تل أبيب، تهديدات من تل أبيب بقصف دمشق وتصفية الرئيس السوري، إضافة إلى الخلاف المحتدم مع الإمارات الذي قد تكون له تداعيات جيوسياسية واسعة.
وهذا التغير في الموقف السعودي لا ينفصل عن محاولات الكيان لإعادة تشكيل ديناميكيات القوة في الخليج، وكشف مصدر رفيع المستوى في العائلة المالكة الكويتية كشف لموقع "ميدل إيست مونيتور" أن تل ابيب تقف وراء اتفاق سري مع الإمارات لتقويض دور السعودية كقوة إقليمية مؤثرة. المصدر أوضح أن الاحتلال يهيئ الإمارات لإزاحة السعودية من موقعها كمصدر رئيسي للقوة، وأن السعوديين كانوا بطيئين في دعم الكيان وتوقيع اتفاقيات أبراهام، ما دفع الصهاينة إلى محاولة تغيير موازين القوى.
وعلى الجانب الأمريكي، تناول كريستوفر بريبل، الزميل الأول في معهد كوينسي للحكم الرشيد، فكرة اتفاقية الدفاع الأمريكية–السعودية، معتبرًا أنها غير ضرورية ومحفوفة بالمخاطر، ورأى "بريبل" أن الفوائد المزعومة للولايات المتحدة تتمثل في تهدئة مخاوف السعودية بشأن موثوقية واشنطن، وإعادة الرياض إلى فلكها وسط قلق من تنامي علاقات الخليج مع الصين، وإقناع السعودية بالتطبيع مع تل ابيب.
لكن "بريبل" في تصريحات له في نوفمبر الماضي شدد على أن هذه الفوائد ليست جوهرية للمصالح الأمريكية، وأن أمن المملكة ليس من المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة. كما حذر من أن الاتفاقية ستشجع القيادة المتهورة، كما حدث في التدخل الكارثي في اليمن، وستؤخر إعادة تقييم السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط.
وفي سياق الخطاب الديني، أثار مقال رأي في صحيفة جيروزاليم بوست كتبه الصهيوني إيدي كوهين جدلًا واسعًا، حيث هاجم إمام الحرم المكي الشيخ صالح بن حميد، واصفًا خطبته بأنها "معادية للسامية بشكل علني". كوهين ربط بين هجوم سيدني وخطبة الشيخ صالح، وزعم أن مثل هذه الخطب تشجع الإرهابيين وتضفي شرعية دينية على قتل اليهود. كما أشار إلى أن ولي العهد محمد بن سلمان لن يوقف هذا "التحريض" لأن القضية الفلسطينية هي بطاقة دخوله لترسيخ مكانته بين العرب، وختم بالقول إن أمريكا تستطيع مطالبة ابن سلمان بوقف هذه الخطب لأنها هي من تحمي السعوديين في الخليج من إيران.