في السنوات الأخيرة، تكررت تصريحات عبدالفتاح السيسي حول الفقر والجهل والتخلف، إذ قال خلال زيارته للأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية الجديدة: "لا أكره الفقير لكن أكره الفقر.. ولا أكره الجاهل لكن أكره الجهل.. ولا أكره المتخلف لكن أكره التخلف" رابط. هذه العبارات بدت وكأنها محاولة لرسم صورة إنسانية، لكن الواقع الذي تكشفه البيانات الرسمية والدولية يناقضها بشكل صارخ.
https://x.com/ONliveEgypt/status/2017313022528626939
وغير مستبعد أن يكرر السيسي خلال أيام نفي ذكره الفقر كما في يوليو 2019، وبعد يوم واحد فقط من إعلان تقرير رسمي عن ارتفاع الفقر بين أكثر من 30 مليون مصري، خرج السيسي ليقول: "الناس مش فقيرة"..
https://x.com/TRTArabi/status/1156580281270394885
هذا التناقض بين الخطاب والواقع يعكس فجوة عميقة بين ما يُقال وما يعيشه المواطنون يوميًا. البنك الدولي أكد في تقاريره أن نحو ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن التضخم وارتفاع أسعار الغذاء يضربان الفئات الأكثر هشاشة بشكل مباشر.
في المقابل، ركز الإعلام الموالي على تبرير الأوضاع. مصطفى بكري، المقرب من النظام، قال في ديسمبر 2025: "آه، الأسعار هارية الناس، بس أهلنا صابرين على الفقر وبيكملوا عشاهم بكى عشان ميبعوش البلد"
هذا الخطاب يطالب الناس بالصبر على الفقر باعتباره ثمنًا للاستقرار، بينما يتجاهل أن السياسات الاقتصادية نفسها هي التي عمّقت الأزمة.
ولا يقف التناقض عند حدود الفقر، بل يمتد إلى التعليم والتنمية البشرية. السيسي نفسه صرح في يناير 2025: "إحنا معندناش لا تعليم جيد ولا علاج ولا وظائف ولا إسكان ولا وعي عند المصريين".
هذا الاعتراف الصريح بغياب مقومات أساسية للحياة يتناقض مع خطاب الإعلام الرسمي الذي يروّج لإنجازات كبرى في التعليم والصحة. تقارير البنك الدولي واليونيسف أوضحت أن أكثر من نصف الأطفال في المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة، وأن ستة من كل عشرة أطفال في سن العاشرة غير قادرين على كتابة أو قراءة قصة بسيطة، ما يعكس أزمة جودة تعليمية عميقة.
في الوقت الذي يعيش فيه ملايين المصريين على أقل من ثلاثة دولارات يوميًا، كما ذكرت صحيفة لاتريبون الفرنسية في أبريل 2022، واتجه السيسي إلى بناء قصور رئاسية جديدة، بينها القصر الأكبر في العالم بالعاصمة الإدارية، بينما أهمل أكثر من 40 قصرًا رئاسيًا قائمًا.
الكاتب والناشر هشام قاسم في الشهر نفسه وصف هذا القصر في حواره مع (بي بي سي) بأنه "رمز للفقر والقمع في مصر"، مشيرًا إلى أن الأولوية كان يجب أن تكون لبناء مدارس ومستشفيات بدلًا من قصور فخمة.
وتتضح المفارقة أكثر حين نرى أن الدولة أنفقت نحو 500 مليون دولار على طائرة رئاسية جديدة، بينما تعيش 12 مليون أسرة تحت خط الفقر، بحسب الإحصاء الحكومي ويصف الإعلام الموالي هذه المشاريع بأنها إنجازات قومية، لكن المعارضة ترى فيها تجسيدًا لسياسات الانفصال عن الواقع الشعبي.
حتى وزيرة التخطيط نفسها، رانيا المشاط واجهت سؤالًا مباشرًا من مواطن خلال معرض الكتاب: "إمتى الناس هتحس بتحسن المعيشة؟"، فردت: "محتاجين نشتغل أكتر علشان موارد الحكومة تزيد والناس مواردها تزيد" وهو رد يعكس غياب رؤية واضحة لمعالجة الأزمة، ويضع المسئولية على المواطن بدلًا من الدولة بحسب مراقبين.
ويظهر أن خطاب السيسي حول كراهية الفقر والجهل والتخلف يتناقض مع الواقع الذي تكشفه الأرقام، ومع السياسات التي عمّقت الأزمات بدلًا من حلها. الإعلام الموالي يبرر هذه التناقضات بالحديث عن الاستقرار والإنجازات، بينما تقارير دولية مثل البنك الدولي واليونيسف وصحيفة لاتريبون الفرنسية تكشف أن مصر تعيش أعلى معدلات فقر في عشرين عامًا، وأن التعليم يعاني أزمة بنيوية، وأن الأولويات المالية تتجه إلى القصور والطائرات بدلًا من المدارس والمستشفيات. هذه المفارقة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي هي ما يجعل تصريحات السيسي تبدو منفصلة عن حياة ملايين المصريين الذين يواجهون الفقر والجهل والتخلف يوميًا.
وقالت منصة صحيح مصر @SaheehMasr في رصد للفقر والجهل في مصر بناء على تصريحات السيسي في زيارة للأكاديمية العسكرية بالعاصمة الإدارية أوضح أن الواقع مختلف تمامًا، عن تصريحات كره السيسي للفقر والتخلف والجهل إذ تكشف البيانات الرسمية والدولية عن تفاقم هذه الأزمات خلال سنوات حكمه.
فمنذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي عام 2016، ارتفعت معدلات الفقر بشكل ملحوظ. فقد سجلت النسبة 26.3% عام 2012/2013، ثم ارتفعت إلى 32.5% في 2017/2018، قبل أن تتراجع قليلًا إلى 29.7% في 2019/2020. غير أن تقديرات البنك الدولي في 2025 أكدت أن نحو ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، مع توقعات بزيادة النسبة بسبب التضخم وغياب فرص العمل المنتجة.
الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل تعليمية أيضًا. فبحسب البنك الدولي، أكثر من نصف الأطفال في نهاية المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة أو فهم نص بسيط، وهو ما يعكس أزمة جودة التعليم لا مجرد إتاحة الفرص. تقارير اليونيسف أكدت أن ستة من كل عشرة أطفال في سن العاشرة غير قادرين على قراءة قصة قصيرة، فيما جاءت مصر في المرتبة 105 عالميًا في مؤشر التنمية البشرية، وهو مؤشر يعتمد بشكل أساسي على التعليم والصحة.
ورغم النص الدستوري على تخصيص 6% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم، لم تلتزم الحكومة بهذه النسبة، إذ أظهرت موازنة 2025/2026 أن نصف المخصصات تقريبًا يذهب لسداد فوائد الديون، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي على التعليم 1.8% من الناتج المحلي.
الخطاب الرسمي للسيسي الذي يعلن كراهية الفقر والجهل والتخلف يتناقض مع السياسات التي عمّقت هذه الأزمات، حيث ارتفعت معدلات الفقر، وتدهورت جودة التعليم، وتراجعت مؤشرات التنمية البشرية، ما جعل الفقر والجهل والتخلف سمات بنيوية في الواقع المصري خلال العقد الأخير.