أعلنت النقابة العامة للأطباء رفضها القاطع لمشروع قانون "تنظيم العمل في المستشفيات الجامعية"، الذي أعدته حكومة الانقلاب وبدأ مجلس الشيوخ مناقشته، معتبرة أن القانون لا يمكن فصله عن المسار العام الذي تتبناه السلطة، بقيادة وزير الصحة ونائب رئيس رئيس وزراء حكومة السيسى الانقلابى خالد عبدالغفار، لتفكيك منظومة العلاج العام وفتح الباب واسعاً أمام خصخصة المستشفيات وبيعها للمستثمرين، بما فيهم الأجانب، على حساب الفقراء ومحدودي الدخل.
وأكدت النقابة، في بيان صدر أمس الأحد ، ، أن أخطر ما يتضمنه المشروع هو إخضاع المستشفيات الجامعية لإعادة الترخيص كل خمس سنوات، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار هذا المرفق العام الحيوي، الذي يقوم بدور علاجي وتعليمي وبحثي لا يحتمل منطق “الترخيص المشروط” أو سيف الإغلاق الدائم.
وأوضحت النقابة أن هذا النظام غير مطبق في أي منشأة طبية داخل مصر، حيث ينص قانون المنشآت الطبية القائم على الاكتفاء بالتفتيش الدوري (مرة واحدة سنوياً على الأقل) للتحقق من استيفاء الاشتراطات القانونية، دون المساس بأصل الترخيص. واعتبرت أن استحداث آلية إعادة الترخيص يفتح الباب لاستخدامه كأداة ضغط تمهّد لسحب المستشفيات من القطاع العام وتسليمها لاحقاً للمستثمرين تحت دعاوى “عدم التوافق” أو “عدم الجاهزية”.
شروط تعجيزية وتمهيد للإقصاء
وانتقدت النقابة النصوص التي تلزم المستشفيات الجامعية القائمة بـ"توفيق أوضاعها"، ووصفتها بأنها جاءت بصياغات عامة وفضفاضة، تتجاهل واقع المستشفيات القديمة التي يستحيل عملياً توفيق أوضاعها الإنشائية من حيث المباني والمساحات. ورأت أن الإصرار على هذه الشروط التعجيزية لا يستهدف التطوير بقدر ما يهدف إلى إخراج هذه المستشفيات من الخدمة تمهيداً لخصخصتها.
وشددت النقابة على ضرورة قصر توفيق الأوضاع على الجوانب الفنية والتجهيزات الطبية فقط، بما يواكب التطور العلمي، بدلاً من تحميل المستشفيات أعباء مستحيلة التنفيذ تعصف بدورها الخدمي، خاصة في ظل نقص التمويل المزمن.
الإغلاق… عقاب جماعي وخطر على المرضى
كما أعلنت النقابة رفضها التام للنصوص التي تتيح إلغاء الترخيص أو إصدار قرارات بالإغلاق الكلي أو الجزئي للمستشفيات الجامعية، محذرة من أن ذلك يعرض حياة المرضى للخطر، ويشل العملية التعليمية والبحثية المرتبطة بجداول دقيقة لا تحتمل العبث. واعتبرت أن هذه الإجراءات تمثل شكلاً من أشكال العقاب الجماعي للأطقم الطبية، التي تعمل في ظروف قاسية وبإمكانات محدودة لا تملك السيطرة عليها، بدلاً من محاسبة الإدارات المسؤولة عن التمويل والبنية التحتية.
واقترحت النقابة بديلاً يتمثل في توجيه تنبيهات للمستشفيات المخالفة، ومنحها مهلاً زمنية واقعية لتصحيح الأوضاع، مع توفير الدعم المالي اللازم، بدلاً من سياسة الإغلاق التي تصب عملياً في صالح المستثمرين الطامحين للاستحواذ على هذه المنشآت.
قانون بلا حوار… وقرارات فوقية
وكشفت النقابة أن مشروع القانون أُعد في غياب كامل للحوار المجتمعي، ودون إشراك النقابة أو أعضاء هيئة التدريس بكليات الطب، وهم أصحاب المصلحة الحقيقيون، ما أدى إلى نصوص تعكس فهماً مشوهاً لطبيعة عمل المستشفيات الجامعية ورسالتها. وأعلنت عن تنظيم ورشة عمل بمشاركة خبراء ومتخصصين لبلورة رؤية مهنية وتعديلات بديلة تُرفع إلى الجهات المعنية.
السياق الأوسع: بيع الصحة العامة
ويأتي رفض النقابة في وقت وافق فيه مجلس النواب مؤخراً على قانون يجيز منح التزام المرافق العامة الصحية لمستثمرين مصريين وأجانب لإنشاء وإدارة وتشغيل المنشآت الصحية، في إطار توجه رسمي تقوده وزارة الصحة لتعزيز دور القطاع الخاص. غير أن هذا المسار يثير مخاوف متزايدة من تقليص العلاج المجاني، وبيع المستشفيات العامة والجامعية، وتحويل حق العلاج إلى سلعة، في ظل ارتفاع أسعار الخدمات الصحية وتدهور الأجور واتساع رقعة الفقر.
وترى النقابة أن مشروع قانون المستشفيات الجامعية ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة تشريعات تستهدف إعادة هندسة القطاع الصحي بما يخدم مصالح المستثمرين، لا احتياجات المواطنين، محذرة من أن الثمن سيدفعه المرضى والأطباء معاً.
