لم يكن مفاجئًا أن يفرز نظام سياسي عاجز برلمانًا على شاكلته؛ ضعيفًا مهنيًا، مرتبكًا لغويًا، ومثقلًا بما يمكن وصفه بـ"الهرتلة" التشريعية، فالمقاعد مُجزّأة سلفًا، ومحجوزة لمن يدفع قبل أن يدخل، حتى بات بعض النواب عاجزين عن التفرقة بين الدستور و"الكستور"، ذلك القماش الشعبي الذي كان ترتديه الطبقات الكادحة في مصر.
الأخطر من الهشاشة المعرفية، هو تعيين شخصية أمنية خالصة على رأس المجلس: مستشار قادم من نيابة أمن الدولة، أي من جهاز وظيفته الأساسية تقنين الظلم، وتدوير القمع، وإحالة آلاف المعارضين إلى المحاكم بتهم هزلية لحماية السلطة، في هذا السياق، يصبح قرار منع البث المباشر وحجب التصويت الإلكتروني خطوة منطقية في مسار لم تعرفه برلمانات العالم.
حجب البث وكشف الفضيحة
مع انطلاق جلساته التشريعية، أوقف مجلس النواب البث المباشر للجلسات، بعد الصورة الباهتة التي ظهر بها أعضاؤه في الجلسة الإجرائية لأداء اليمين الدستورية في 12 يناير، حيث سقط كثيرون في أخطاء لغوية فادحة، ما فجّر موجة سخرية وغضب واسعة على منصات التواصل الاجتماعي.
وفي السياق ذاته، قرر رئيس المجلس، النائب المعيّن هشام بدوي، وقف العمل بنظام التصويت الإلكتروني، والعودة إلى رفع الأيدي، في مخالفة صريحة للائحة الداخلية للمجلس، التي تنص بوضوح على أن التصويت الإلكتروني شخصي وملزم، ويُحظر استخدام بطاقة نائب آخر.
مليارات بلا معنى
القرار يكتسب بعدًا أكثر عبثية إذا ما قورن بحجم الإنفاق العام، إذ أنفقت الحكومة نحو خمسة مليارات جنيه عام 2021 على إنشاء وتجهيز مقر البرلمان الجديد في العاصمة الإدارية، المزوّد بوحدات تصويت إلكتروني حديثة، وشاشات عملاقة لإعلان النتائج. ومع ذلك، جرى تعطيل النظام، لأن التصويت الإلكتروني يكشف عدد الحاضرين فعليًا، ويفضح اكتمال النصاب من عدمه.
ورغم أن اللائحة تشترط اعتراض 30 نائبًا كتابيًا لوقف التصويت الإلكتروني، تجاهل المجلس النص، ومضى في إدارة الجلسات بالأسلوب البدائي ذاته.
تشريع في الظلام
في أول اختبار عملي، أقر المجلس تعديل قانون نقابة المهن الرياضية برفع الأيدي، في مشهد يلخص طبيعة البرلمان ووظيفته، التعديلات انصبت على تغيير مسميات قانونية، ونقل صلاحيات من النقابة إلى جهات تنفيذية، في خطوة تعزز مركزية القرار وتفرغ الكيانات المهنية من استقلالها.
ورغم الخطابات الرسمية عن الحوكمة وتطوير الرياضة، يظل الجوهر واحدًا: برلمان بلا رقابة حقيقية، بلا شفافية، وبلا بث، يُشرّع في الظلام، ويُدار بعقلية أمنية لا ترى في المجلس سوى غرفة تسجيل لقرارات السلطة.
هكذا، لم يكن منع البث أو التصويت الإلكتروني إجراءً تقنيًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لبرلمان صُنع ليكون ضعيفًا، ويُدار ليبقى كذلك.