في خطوة تعكس اتساع نفوذ المؤسسة العسكرية داخل الاقتصاد المصري، أعلن مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة إسناد عمليات استيراد وتصدير السكر الأبيض حصرياً إلى جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، التابع للقوات الجوية، ليضيف سلعة استراتيجية جديدة إلى قائمة طويلة بات الجهاز يهيمن عليها، بعد أن سبقه القمح وزيوت الطعام.
القرار يفتح الباب مجدداً أمام تساؤلات جوهرية: ما علاقة جهاز عسكري بإدارة تجارة الغذاء؟ ولماذا تُسحب هذه الملفات من الوزارات المدنية وتُمنح لكيان يعمل خارج منظومة الرقابة والمساءلة؟ والأهم: هل تتجه الدولة عمداً لوضع غذاء المصريين في يد مؤسسة واحدة يصعب الاستغناء عنها أو مساءلتها؟
احتكار بلا شفافية
إعادة فتح باب تصدير السكر منذ يناير، بعد توقف دام ثلاث سنوات، قُدِّمت رسمياً باعتبارها خطوة لامتصاص فائض إنتاج يقترب من مليون طن. غير أن إسناد الملف كاملاً إلى جهاز عسكري، بدلاً من تركه لآليات السوق أو للقطاعين العام والخاص، يعكس توجهاً مختلفاً يقوم على الاحتكار لا التنظيم.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية للمواطنين، مع انخفاض الطلب على السلع غير الأساسية، نتيجة موجات الغلاء المتتالية، ما يجعل السيطرة على الغذاء – لا السلاح – هي ورقة النفوذ الحقيقية في لحظة اقتصادية خانقة.
عمولات بمئات الملايين
اللافت أن توسع الجهاز لا يقتصر على الإدارة، بل يمتد إلى تحقيق أرباح ضخمة من فروق الأسعار. فبحسب طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب المستقل أحمد فرغلي، يحصل جهاز "مستقبل مصر" على عمولة تقدر بـ30 دولاراً عن كل طن قمح مستورد، رغم أن السعر العالمي أقل من السعر الذي يُورَّد به للهيئة العامة للسلع التموينية.
ومع استيراد مصر نحو خمسة ملايين طن قمح سنوياً، فإن فارق السعر وحده يدر ما يقرب من 150 مليون دولار، تذهب إلى جهاز لا يخضع لموازنة الدولة ولا لرقابة البرلمان. ويتكرر السيناريو نفسه في استيراد زيوت الطعام، بفوارق سعرية تصل إلى 150 دولاراً للطن.
تضارب أدوار وشبكة نفوذ
يدير الجهاز التنفيذي العقيد طيار بهاء الدين محمد الغنام، في وقت يشغل فيه شقيقه منصب الأمين العام لمجلس الشيوخ، بينما تحظى شقيقته بعضوية مجلس النواب، في مشهد يطرح علامات استفهام حول تداخل السلطة الاقتصادية مع التشريعية، وغياب أي حواجز فاصلة بين النفوذ العسكري والسياسي.
ورغم البيانات الرسمية التي تؤكد استقرار السوق وتوافر السلع، فإن المشكلة لا تكمن في وجود السكر أو القمح اليوم، بل في البنية التي تُدار بها هذه الملفات: احتكار، غياب شفافية، وتسليم مفاتيح الأمن الغذائي لكيان عسكري لا يُسأل ولا يُحاسب.
من يحكم السوق؟
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تُدار دولة بحجم مصر بعقلية "المستورد الوحيد"؟ ولماذا يُقصى القطاع الخاص، وتُهمش الأجهزة المدنية، لصالح جهاز عسكري يتمدد من الزراعة إلى الاستيراد، ومن الغذاء إلى العقارات والصناعة؟
ما يحدث لا يبدو مجرد إدارة أزمة، بل إعادة تشكيل متعمدة للاقتصاد، تُمسك فيها المؤسسة العسكرية بمفاصل الحياة اليومية للمواطن، وعلى رأسها الغذاء، في معادلة تجعل الاستغناء عنها – أو حتى مناقشتها – أمراً بالغ الكلفة.
وفي بلد يواجه تضخماً متصاعداً وأعباء معيشية غير مسبوقة، يصبح السؤال الأخطر: هل الهدف حماية الأمن الغذائي، أم إحكام السيطرة عليه؟