تجددت أزمة نقص الأدوية وتزايدت شكاوى المرضى خاصة أصحاب الأمراض المزمنة فى الوقت الذى تتجاهل حكومة الانقلاب الأزمة وتزعم أن الأدوية متوفرة وأن بعض المرضى يرفضون البدائل المصرية ويصرون على تناول أدوية مستوردة .
لكن الواقع يشير إلى أن الوصفات الطبية التى تُكتب في عيادات الأطباء تعاد صياغتها في الصيدلية وفق ما هو متاح، لا ما هو مناسب، فكثير من الأدوية تختفي، والمثيل المصري يتوارى هو الآخر ، ويفرض البديل المستورد نفسه بسعر أعلى، ما يُحمّل المرضى أعباء فوق طاقتهم .
هذا الواقع يطرح السؤال: لماذا يختفي المثيل المصري؟ ومن المستفيد من ازدهار “بيزنس” الأدوية المستوردة؟
للأسف مش متوفر
في صيدلية صغيرة بمحافظة الإسماعيلية، يقف عبدالله سلطان شاب ثلاثيني ، ممسكًا بوصفة طبية.. يسأل الصيدلي عن بخاخ صغير، لا يتجاوز حجمه كف اليد، لكنه يمثل الكثير بالنسبة لابنه “يوسف”، صاحب السنوات الست، حيث يعينه على التنفس بشكل طبيعي قبل أن يدخل في نوبة حساسية حادة.
وقال سلطان إن رد الصيادلة لا يتغير : “للأسف، مش متوفر”، مؤكدا أنه حتى الدواء المثيل اختفى والموجود المستورد فقط.. وسعره 240 جنيها.
وأشار إلى أن الأزمة ليست فقط في سعر الدواء الذي يحتاجه طفله شهريًا ، موضحا أنه يحتاج دواء آخر يتجاوز سعره 500 جنيه، إضافة إلى أقراص علاجية يصل ثمنها إلى 230 جنيهًا.
وأضاف سلطان: كل الأدوية اللي يحتاجها طفله مستوردة، لأن الدكتور هو اللي بيحدّد نوع العلاج، موضحًا أن المشكلة أن الدواء لا أجده فى الصيدليات وأضطر إلى السفر إلى محافظات آخرى لشرائه.
ألم أعصاب مزمن
وقالت “نبيلة” سيدة خمسينية إنها تعيش تحت وطأة ألم الأعصاب المزمن.. وتشير ابنتها سمر إلى رحلة العذاب اليومية للحصول على الدواء قائلة : والدتي تعتمد على دواء (تيبونيا فورت)، حبة واحدة يوميًا كانت كفيلة بتسكين ألمها، لكن الدواء بدأ يختفى تدريجيًا منذ ستة أشهر إلى أن اختفى تمامًا، وأصبحت الإجابة الموحدة في كل الصيدليات: ناقص وغير متوفر.
مرضى الربو
في حي المعادي كشف صيدلي في فرع صيدلية شهيرة أن المادة الفعالة “سالميترول” لمرضى الربو. لم تعد موجودة مشيرا إلى أن الموجود البديل المستورد بسعر 385 جنيهًا.
وقال الصيدلى : المثيل المصري الأقل سعرًا، من المفروض أن يكون موجودا لكن شركات التوزيع ترى أنه لا يحقق مكسبًا فلا تطرحه، وحتى الرخيص منه (انضرب) سعره .
وفى الإسكندرية، أكد الصيادلة اختفاء مادة “بريجابالين” لعلاج الأعصاب، مشيرين إلى أن هذا الدواء متوفر فقط في أماكن محددة وبشروط صارمة باعتباره “جدول” .
وقال الصيادلة : هذه الكلمة تعني أن الدواء يندرج تحت قائمة أدوية مخدرة لا تُصرف إلا بوصفة طبية معتمدة، وأحيانًا لا تُصرف إلا من خلال صيدليات حكومية تابعة لوزارة صحة الانقلاب أو المستشفيات.
وفي سوهاج، أكدت صيدلانية في إحدى السلاسل الشهيرة أن مادة “سيتاجليبتين” لمرضى السكري “غير موجودة على السيستم في أي فرع”، وهو ما تكرر في سلاسل كبرى أخرى، ليبقى مريض السكري بلا علاج.
شركات التوزيع
فى المقابل أكد محمد عودة، مدير التوزيع بإحدى الشركات الكبرى، أن شركات التوزيع مجرد وسيط، وأن المسئولية تقع على عاتق شركات الإنتاج.
وشدد عودة فى تصريحات صحفية على أن معظم الأدوية تم توطينها، نافيًا وجود أزمة نقص من الأساس.
وقال إن الاستيراد يقتصر على أصناف محدودة.
وأكد الدكتور محمد الشيخ نقيب صيادلة القاهرة، أن هامش ربح الدواء المحلي “أعلى” من المستورد، ما يجعل الصيدلي منطقيًا أكثر ميلًا لبيعه.
وأُرجع الشيخ فى تصريحات صحفية الأزمة إلى ثقافة الأطباء المتمسكة بأسماء تجارية بعينها، أو توقف خطوط الإنتاج فعليًا، نافيًا وجود مؤامرة من الصيدليات لحجب الدواء الرخيص.
المواد الخام
وكشف الدكتور محمد أحمد مدير إنتاج بشركة أدوية كبري، قضى 30 عامًا في صناعة الدواء، الجانب الخفي من الأزمة، الذي يتعلق بـ”اقتصاديات الدواء”.
وقال أحمد فى تصريحات صحفية إن الأزمة الحقيقية تكمن في المواد الخام، مؤكدا أن مصر لا تمتلك مصانع لإنتاج الخامات الدوائية، وتعتمد كليًا على الاستيراد من الهند والصين.
وأشار إلى أن “التسعير الجبري” يضع الشركات بين فكي كماشة، فإما استخدام خامات أوروبية عالية الجودة والكُلفة ما يرفع السعر بشكل ترفضه هيئة الدواء، أو اللجوء لخامات آسيوية مطابقة للمواصفات نظريًا لكنها أقل فاعلية، أو الخيار الثالث والأصعب وهو وقف إنتاج الأصناف الرخيصة التي لا تغطِي تكلفتها التشغيلية.
وأوضح أحمد أن شركات الأدوية مؤسسات ربحية في النهاية، وقد تضطر لوقف إنتاج أدوية الأمراض المزمنة إذا كانت الخسارة هي النتيجة الحتمية لاستمرار خط الإنتاج .
شركة النصر للخامات الدوائية
وحول أسباب عجز مصر عن إنتاج خامات الدواء، أشار محمود فؤاد رئيس المركز المصري للحق في الدواء، إلى تجربة “شركة النصر للخامات الدوائية”.
وقال فؤاد فى تصريحات صحفية إن الشركة كانت تمثل العمود الفقري للأمن الدوائي المصري في حقبة الستينيات، لكن سياسات الخصخصة أدت إلى تصفيتها، لتجد الشركات الوطنية نفسها مضطرة لشراء الخامات من الخارج بالدولار، تمامًا مثل القطاع الخاص.
وأكد أن تصنيع الخامات يتطلب استثمارات مليارية وتكنولوجيا معقدة، ما يجعل إنتاج الأدوية الحيوية والاستراتيجية محليًا حلمًا مؤجلًا في ظل غياب الجدوى الاقتصادية للقطاع الخاص.
المثيل المصري
وأكد استشاري جراحة القلب، الدكتور محمد صبري، أن “المثيل المصري” يتمتع غالبًا بالكفاءة الطبية ذاتها للمستورد، وأن تفضيل الأطباء المستورد يعود أحيانًا إلى فكرة “الاعتياد” أو الدعاية.
وحذر صبري فى تصريحات صحفية من التبديل المستمر بين الأسماء التجارية للمادة الفعّالة نفسها بالنسبة لمرضى الأمراض المزمنة، مؤكدا أن هذا قد يؤدي إلى عدم استقرار الحالة الصحية وتذبذب المؤشرات الحيوية لدى المريض.
وقال : سعر الدواء عامل حاسم في التزام المريض بالعلاج، واختفاء المثيل الرخيص يعني ببساطة توقف الكثيرين عن تناول الدواء، وهو ما نلمسه في عياداتنا يوميًا