الشرطة على خطى الجيش .. هل من علاقة بين “كلنا واحد” وتصاعد حملات مباحث التموين قبل رمضان

- ‎فيتقارير

قبل أيام قليلة من شهر رمضان، تتزايد التساؤلات حول مبادرة "كلنا واحد" ودور الحملات التموينية التابعة لوزارة الداخلية، خصوصًا مع انتشار روايات تربط بين مصادرة البضائع وظهورها لاحقًا في معارض المبادرة بأسعار مخفضة.

ومنذ مطلع يناير تعقد وزارة الداخلية بحكومة المنقلب السيسي اجتماعات موسعة مع التجار وأصحاب السلاسل التجارية، للتنسيق لإطلاق المرحلة 28 من مبادرة كلنا واحد، ويستمر هذا التنسيق خلال شهر فبراير بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، لتوفير كافة أنواع السلع الغذائيّة والرمضانية، ورصد متابعون على منصات التواصل توزيع كراتين سلع تموينية (يبدو أنها بين المصادرات في كراتين جديدة) استولت عليها "الداخلية" وتعيد توزيعها على أفرادها في مستشفيات تابعة مثل مستشفى العجوزة أو تبيعها في معارض "كلنا واحد".

المبادرة نفسها أطلقتها وزارة الداخلية في يونيو 2018 بتوجيهات سيسية، وتُدار بالتنسيق مع الإدارة العامة لشرطة التموين والتجارة الداخلية، وهي الجهة المسؤولة عن الحملات التموينية اليومية.

ورغم أن البيانات الرسمية تؤكد أن الهدف هو تخفيف الأعباء عن المواطنين، فإن الوزارة لا تعلن بشكل مباشر أن المضبوطات تُعرض داخل المعارض، ما يترك مساحة واسعة للتأويل والجدل.

 

وعند البحث عن إحصائيات رسمية حول عدد الحملات التموينية خلال العامين الأخيرين أو حجم المضبوطات، يتضح أن وزارة الداخلية لا تصدر أي تقرير سنوي شامل يجمع هذه الأرقام.

ما تنشره الوزارة هو بيانات يومية أو أسبوعية متفرقة تتضمن عدد القضايا المضبوطة وكميات السلع، لكن دون تجميع سنوي.

وهي حملات منتشرة على متسوى مثل حملة تموينية في الفيوم صادرت 650 كجم دقيق بلدي مدعم و545 عبوة سلع غذائية  منتهية الصلاحية و220 كجم شيكولاته،، ومنتجات مصنعين للحلويات وطن وربع جبنة مجهولة المصدر وطن ونصف تقريباً زبدة بدون فواتير، وطن دقيق مدعم قبل تهريبه للسوق السوداء.

فضلا عن مضبوطات؛ توابل ومكرونة وعدس منتهي الصلاحية داخل مخزن  و3360 باكو سناكس مجهولة المصدر داخل مخزن غير مرخص.

ومن متابعة هذه البيانات، يتبين أن متوسط عدد القضايا اليومية يتراوح بين 1200 و1800 قضية، وقد يصل إلى 3000 قضية في مواسم مثل رمضان.

كما تعلن الداخلية أحيانًا عن ضبط مئات الأطنان من السلع في أسبوع واحد، أو أكثر من 1000 طن في يوم واحد، لكن هذه الأرقام تبقى متفرقة وغير مجمعة في وثيقة رسمية.

ومن جانبه فإن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لا يصدر تقارير عن الحملات التموينية لأنها ليست ضمن اختصاصه، كما أن وزارة التموين نفسها لا تنشر تقارير عن المضبوطات، إذ إن هذه المهمة تقع بالكامل ضمن صلاحيات شرطة التموين التابعة للداخلية، لذلك، لا توجد حتى الآن أي إحصائية رسمية موحدة يمكن الرجوع إليها لمعرفة الحجم الحقيقي للحملات أو قيمة المضبوطات خلال العامين الماضيين.

 

“اللي ملوش خير في حاتم

الجملة الشعبية "اللي ملوش خير في حاتم ملوش خير في مصر  "تتكرر على لسان ترى أن الدولة “تضرب” التجار الصغار ثم تظهر كبطل شعبي يوفر السلع للمواطنين.

وهو ما يدعو للتساؤل: كيف ترتفع المصادرات قبل رمضان مباشرة، ثم تظهر السلع نفسها في معارض “كلنا واحد” بأسعار مخفضة؟ هل الهدف ضبط السوق، ولا توفير بضائع للمعارض؟

 

الوزارة لا تقول إنها تبيع المضبوطات (رغم امتلاكها عشرات المنافذ التموينية بين السلع واللحوم)، لكن التزامن وحده خلق انطباعًا قويًا عند الجمهور، فالحملات تتركز غالبًا على التجار الصغار، بينما كبار المستوردين والمحتكرين نادرًا ما يظهرون في بيانات الضبط.

المبادرة تُسوّق نفسها كدور اجتماعي للدولة، لكن خبراء اقتصاد يرون أنها تحوّل الداخلية من منظّم للسوق إلى لاعب داخل السوق عندما تصادر الدولة سلعًا ثم تبيع سلعًا مشابهة بأسعار أقل، يشعر التجار أن المنافسة غير عادلة، وأن الدولة تمتلك أدوات لا يمتلكونها مثل الضبط والمصادرة والبيع.

شهر رمضان

مع اقتراب شهر رمضان، يفاجئ أصحاب محال السلع الغذائية والياميش والمنظفات في القاهرة والجيزة والإسكندرية والمحلة الكبرى بحملات مكثفة من وزارة الداخلية صودرت خلالها كميات كبيرة من البضائع، قبل أن تظهر لاحقًا في معارض “كلنا واحد” بأسعار مخفضة تصل إلى 40%.

ومن جانبها تقول الداخلية: إن "الهدف هو تخفيف الأعباء عن المواطنين في موسم ترتفع فيه الأسعار، يرى التجار أن ما جرى اعتداء مباشر على رزقهم، يعيد إلى الذاكرة ما كان يُعرف في المحلة بـ“سوق الحرامية”، حيث كانت البضائع المصادرة تُباع بأسعار زهيدة بعد انتزاعها بالقوة".

 

وقال مراقبون: إن "الدولة تتحول من منظم للسوق إلى لاعب غير عادل، يصادر من التجار ثم ينافسهم ببضائعهم نفسها، ما يقتل المنافسة ويجعل التجار في حالة خوف دائم".

وأضاف المراقبون أن الرسالة الأخطر هي أن السوق بلا قواعد ثابتة، وأن القطاع الخاص يمكن أن يُقصى في أي لحظة، لاسيما التجار الصغار الذين يعدون العمود الفقري للمجتمع، ومصادرة بضائعهم قبل موسم رمضان تدفعهم نحو الديون والانهيار، بينما تستفيد فئات محدودة من الأسعار المخفضة مؤقتًا.

وتوضح الباحثة الاجتماعية سناء يوسف أن الشعور بأن الدولة قد تصادر رزق أي شخص في أي لحظة يدفع البعض إلى الهجرة أو العمل في السوق السوداء، وهو ما يفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

 

ويبقى المواطن الحلقة الأضعف بين خطاب رسمي يتحدث عن “تخفيف الأعباء” ورواية التجار عن “السطو على ممتلكاتهم”، صحيح أن البعض استفاد من الأسعار المنخفضة قبل رمضان، لكن الثمن الحقيقي يظهر على المدى الطويل: تآكل الثقة في عدالة السوق، وتدمير شريحة واسعة من التجار.