بعد أكثر من 12 عامًا على تجميد انتخابات المجالس المحلية، عاد ملف "المحليات" إلى الواجهة بقرار من عبد الفتاح السيسي تكليف الحكومة بإجراء الاستحقاق الدستوري المؤجل منذ صدور دستور2014، في خطوة أثارت تساؤلات حول توقيتها ودوافعها، خاصة في ظل اتهامات متكررة للنظام بإدارة مختلف الاستحقاقات الانتخابية ضمن منظومة محكمة لضبط النتائج من المحلية حتى الرئاسية.
أكثر من 50 ألف مقعد.. شبكة نفوذ ممتدة
وفق ا لمادة 180 من دستور 2014، تختص المجالس المحلية بمتابعة خطط التنمية ومراقبة الأجهزة التنفيذية، ولها أدوات رقابية تشمل طلبات الإحاطة والاستجواب وسحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية، ويبلغ عدد مقاعد المحليات نحو 53 ألف مقعد موزعة على 1851 وحدة إدارية تشمل المحافظات والمراكز والمدن والأحياء والقرى، ما يجعلها أكبر قاعدة تمثيلية انتخابية في البلاد.
غير أن هذ ا الاستحقاق، الذي كان يفترض تنفيذه خلال خمس سنوات من سريان الدستور، لم يُفعّل حتى عام 2019، وظل مؤجلًا حتى إعلان الحكومة الجديدة عن التوجيه الرئاسي بإجرائه، دون تحديد جدول زمني واضح، من مبارك إلى ما بعد يناير شهدت مصر انتخابات محلية منتظمة منذ صدور قانون الحكم المحلي عام 1975، واستمرت حتى انتخابات 2008 التي سيطر عليها الحزب الوطني قبل حله عقب ثورة 25 يناير 2011، لكن بعد حكم قضائي بحل المجالس المحلية في 2011، توقفت الانتخابات، ثم جاء دستور 2014 ليعيد النص عليها، دون تنفيذ فعلي طوال سنوات حكم السيسي.
ويرى مراقبون أن تجميد المحليات طوال تلك الفترة لم يكن عارضًا، بل جاء في سياق إعادة هندسة المجال السياسي، وإغلاق المسارات التي قد تسمح بظهور معارضة منظمة تمتلك حضورًا قاعديًا في المحافظات والقرى.
لماذا الآن؟
يطرح مر اقبون عدة تفسيرات لتحول الموقف الرسمي: أولًا، اكتمال السيطرة على المجال العام بعد سنوات من التضييق على الأحزاب والقوى السياسية، ما يجعل أي استحقاق انتخابي أقل مخاطرة من السابق.
ثانيًا، وجود كوادر موالية جرى إعدادها عبر استحقاقات انتخابية سابقة: رئاسيات 2014 و2018 و2024، واستفتاء 2019، وانتخابات البرلمان بغرفتيه، ما يتيح ملء المقاعد المحلية بعناصر مضمونة الولاء.
ثالثًا، الحاجة إلى توسيع دائرة "تحمل المسؤولية" في ظل أزمات اقتصادية متصاعدة، عبر إشراك عشرات الآلاف من القيادات المحلية في إدارة الملفات الخدمية، بما يمتص قدرًا من الغضب الشعبي ويوزع عبء الانتقادات.
رابعًا، استخدام المحليات كأداة لإعادة إنتاج النخب الموالية وتعويض شخصيات لم يحالفها الحظ في الانتخابات البرلمانية، ضمن شبكة مصالح مترابطة.
إعادة إنتاج النموذج الانتخابي
يخشى معارضون أن تُجرى الانتخابات المحلية وفق النظام ذاته الذي أُجريت به انتخابات البرلمان، خاصة نظام القوائم المغلقة المطلقة، والذي يمنح الكتلة المسيطرة فرصة حصد جميع المقاعد في الدائرة.
وتبرز في المشهد أحزاب موالية مثل حزب مستقبل وطن وحزب حماة الوطن وحزب الشعب الجمهوري وحزب الجبهة الوطنية، التي يُتوقع أن تلعب دورًا محوريًا في تشكيل القوائم، ما يثير تساؤلات حول مدى التعددية الفعلية، في المقابل، تطالب أطراف سياسية باعتماد القوائم النسبية، وضمان إشراف قضائي كامل، ووقف الملاحقات الأمنية للمرشحين، لضمان حد أدنى من التنافس الحقيقي.
بين الرقابة الشعبية و"كبش الفداء"
نظريًا تمثل المحليات أداة رقابة شعبية مباشرة على الخدمات اليومية: النظافة، الصرف الصحي، الإنارة، مياه الشرب، والمرافق العامة، لكن منتقدين يرون أن منح المجالس المحلية صلاحيات دون استقلال سياسي حقيقي قد يحولها إلى طبقة وسيطة تتلقى الغضب الشعبي بدلًا من الحكومة المركزية، بما يشبه ما حدث في عهد حسني مبارك، حين ارتبطت المحليات بعبارة "الفساد للركب".
حلقة ضمن منظومة أوسع
يعتبر البعض أن عودة المحليات لا تنفصل عن نمط إدارة الانتخابات خلال العقد الماضي، حيث جرى ضبط المجال السياسي تدريجيًا، وتفكيك الكيانات المعارضة، وبناء شبكة موالاة ممتدة من القاعدة إلى القمة.
وبينما يُقدَّم القرار باعتباره استجابة لاستحقاق دستوري متأخر، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل انتخابات المحليات بداية انفتاح سياسي حقيقي، أم استكمالًا لمنظومة انتخابية محكمة تضمن إعادة إنتاج المشهد ذاته، لكن عبر أكثر من 50 ألف مقعد هذه المرة.