في حلقة متداولة عبر قناة صدى البلد على منصة X، تحدثت الدكتورة عالية المهدي عن دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري، مشيرة إلى أنه يشغّل ما بين 83% و85% من القوى العاملة، ويخلق وظائف “جيدة ومستقرة”، مع حديث عن مستهدفات نمو طموحة تصل إلى 10% في الاستثمار و20% في بعض القطاعات مثل الاتصالات.
الرقم الأول — نسبة تشغيل القطاع الخاص — صحيح من حيث الحجم الإجمالي، لكنه لا يكشف وحده طبيعة هذه الوظائف ولا مستوى الحماية والاستقرار فيها. هنا تبدأ الفجوة بين “عدد العاملين” و“جودة العمل”.
أغلبية العدد… لكن بأي شروط؟
بحسب تحليل مشترك لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومنظمة العمل الدولية (ILO)، فإن نحو 53% من منشآت الأعمال في مصر تُصنّف كمنشآت غير رسمية. هذه المنشآت توظف نسبة كبيرة من العاملين في القطاع الخاص، لكنها تساهم بأقل من نصف القيمة المضافة مقارنة بنسبة العمالة التي تستوعبها. بعبارة أخرى: عدد عمال كبير، إنتاجية منخفضة، وحماية محدودة.
الأهم أن التحليل ذاته يشير إلى أن نحو 66% من إجمالي العمالة في مصر تعمل في القطاع غير الرسمي. وبين الشباب من سن 15 إلى 24 عامًا، تصل النسبة إلى نحو 90%. هذه الأرقام تعني أن الغالبية الساحقة من الداخلين الجدد لسوق العمل يجدون أنفسهم في وظائف بلا عقود رسمية، بلا تأمينات اجتماعية، وبلا ضمانات قانونية مستقرة.
هنا يتضح الفرق بين “وجود عمل” و“وجود عمل جيد ومستقر”. فالقطاع الخاص يشغّل أغلب المصريين فعلًا، لكن جزءًا معتبرًا من هذه الوظائف يقع خارج الإطار القانوني الكامل، ما ينعكس على الأجور، والحماية الاجتماعية، والاستقرار الوظيفي طويل الأمد.
ماذا عن أرقام النمو والاستثمار؟
في التصريحات ذاتها، جرى الحديث عن مستهدفات نمو تصل إلى 10% في الاستثمار، و20% في قطاعات مثل الاتصالات والصناعة. لكن حتى الآن، لا توجد بيانات رسمية منشورة تثبت تحقق هذه المعدلات بشكل فعلي ومستقر.
بيانات مؤشر مديري المشتريات (PMI)، التي تنقلها تقارير رويترز، أظهرت خلال عام 2025 تقلبًا في نشاط القطاع الخاص غير النفطي، بين فترات نمو طفيف وأخرى من الانكماش. بمعنى أن النشاط لم يدخل بعد في مسار تصاعدي قوي ومستدام يعكس أرقام نمو مزدوجة الرقم كما يُطرح في بعض الخطابات.
بالتالي، فإن الحديث عن 10% أو 20% هو أقرب إلى أهداف تخطيطية وطموحات سياسية واقتصادية، وليس إلى معدلات نمو محققة على الأرض وفق البيانات المتاحة حتى الآن.
هل تم تمكين القطاع الخاص فعليًا؟
على المستوى التشريعي، اتخذت خطوات لتحسين بيئة الأعمال، وإعلان حوافز لجذب الاستثمارات وتقليل دور الدولة في بعض القطاعات. لكن تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي تشير إلى أن التقدم في تنفيذ الإصلاحات “مختلط”، مع استمرار هيمنة الشركات المملوكة للدولة على قطاعات واسعة من الاقتصاد.
هذا يعني أن الدعم موجود من حيث الإعلانات والسياسات المعلنة، لكنه في التطبيق يواجه بطئًا وعقبات هيكلية، ما يحد من قدرة القطاع الخاص — خصوصًا الصغير والمتوسط — على التوسع السريع وخلق وظائف رسمية عالية الجودة.
الخلاصة
القطاع الخاص في مصر يشغّل النسبة الأكبر من القوى العاملة فعلًا، وهذه حقيقة رقمية لا خلاف عليها. لكن جودة هذه الوظائف، ومستوى رسميتها، ومدى استقرارها، تختلف كثيرًا عن الصورة المثالية التي قد توحي بها بعض التصريحات.
كما أن أرقام النمو المرتفعة المطروحة تعكس مستهدفات وطموحات، لا بيانات محققة حتى اللحظة. وبين الأهداف المعلنة والواقع الاقتصادي، تبقى الأرقام التفصيلية — حول الرسمية، والإنتاجية، ومؤشرات النشاط الفعلي — هي الفيصل في تقييم ما إذا كان القطاع الخاص يخلق “وظائف جيدة ومستقرة” بالفعل، أم أنه لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على سوق عمل هش وغير منظم.
https://x.com/baladtv/status/2021321081509040638?s=20