تراجع ترتيب مصر إلى المركز 130 عالميًا في مؤشر مدركات الفساد بعد حصولها على 30 نقطة فقط من أصل 100، وهو أسوأ موقع تصل إليه في تاريخها، بعدما فقدت خمس نقاط مقارنة بعام 2023.
هذا التراجع يعكس ارتفاع مستوى الفساد في القطاع العام، خاصة أن مصر تقع تحت المتوسط العالمي للمؤشر بفارق كبير، ما يشير إلى خلل عميق في بنية الإدارة والاقتصاد.
وقال تحليل: إن "هذا التقييم السلبي ليس مفاجئًا، لأنه يعكس مشكلات هيكلية متجذرة، أبرزها التوسع الكبير في النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، التي تحظى بامتيازات واسعة لا تتوفر للقطاع الخاص، من سيطرة على الأراضي إلى الإعفاءات الضريبية وغياب الرقابة، كما أن التعاقدات الحكومية تُسند غالبًا بالأمر المباشر لشركات تابعة للجيش أو لشخصيات نافذة، ما يؤدي إلى تضخيم أسعار العقود وإهدار المال العام على مشاريع منخفضة الجودة".
ويضاف إلى ذلك انتشار الفساد الإداري في أجهزة الدولة، من الرشاوى وتعطيل مصالح المواطنين إلى التوظيف القائم على المحسوبية والواسطة، كما يتجلى الفساد المالي في التهرب الضريبي المنظم، والتلاعب في الدفاتر المحاسبية، وغسيل الأموال عبر مشاريع استهلاكية غامضة المصدر، أما الفساد السياسي فهو الأساس الذي يقوم عليه كل ما سبق، إذ تُشوَّه العملية الانتخابية لصالح نخبة ضيقة، ويُشترى النفوذ السياسي مسبقًا، ثم يُستغل لاحقًا لتحقيق مصالح خاصة داخل البرلمان، الذي تحول إلى ساحة لخدمة الحكومة والعائلات النافذة بدلًا من الرقابة الشعبية.
هذا الوضع له ثمن باهظ، فالنظام يعاني من مستويات مرتفعة من الفساد لكنه يخشى كشفه أو انتقاده، ما يفسر التضييق على الصحافة وحجب المواقع واعتقال الصحفيين والسيطرة على المؤسسات الإعلامية، فالنظام يمثل شبكة مصالح مترابطة لا تملك دافعًا للإصلاح، لأن بنيتها السياسية نفسها قائمة على الفساد، ومع تراجع الثقة العامة في المؤسسات، يصبح الفساد عاملًا رئيسيًا في تفكك الدول وانهيارها.
فساد متجذر
ولا يزال الفساد متجذرًا بعمق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث فشلت معظم الحكومات في معالجة فساد القطاع العام، وفقًا لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية.
ويصنف المؤشر 182 دولة وإقليمًا وفقًا لمستويات الفساد المتصورة في القطاع العام، وذلك على مقياس من صفر (فاسد للغاية) إلى 100 (نزيه للغاية)، يبلغ متوسط المؤشر العالمي 42 من 100، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد، مما يشير إلى اتجاه تنازلي مقلق يستدعي المتابعة المستمرة، تفشل الغالبية العظمى من الدول في السيطرة على الفساد، إذ يحصل أكثر من ثلثي الدول – 122 دولة من أصل 180 – على أقل من 50 نقطة.
الدول العربية التي حققت أعلى الدرجات هي الإمارات العربية المتحدة (69)، وقطر (58)، والمملكة العربية السعودية (57).
وفي أماكن أخرى، لا تزال العديد من الدول الأقل تصنيفًا في المنطقة، بما فيها سوريا (15) وليبيا (13) واليمن (13)، تعيش حالة من عدم اليقين نتيجةً للنزاعات الأخيرة أو المستمرة، وقد لعب هذا دورًا هامًا في التزام حكوماتها بجهود مكافحة الفساد، حيث أن التنافسات السياسية، ونقص الموارد البشرية والبنية التحتية، فضلًا عن التوترات الداخلية، تعني أن الحوكمة الرشيدة ليست من الأولويات.
حسب منظمة الشفافية الدولية، يتفاقم الفساد عالميًا، حتى في الدول الديمقراطية الراسخة، حيث يشهد ارتفاعًا في مستويات الفساد وسط تراجع في القيادة، وفقًا لمؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، يُظهر هذا المؤشر السنوي أن عدد الدول التي سجلت أكثر من 80 نقطة قد انخفض من 12 دولة قبل عقد من الزمن إلى خمس دول فقط هذا العام، وشهد عام 2025 موجة من الاحتجاجات المناهضة للفساد بقيادة جيل الألفية، لا سيما في الدول الواقعة في النصف الأدنى من مؤشر مدركات الفساد، والتي شهدت ركودًا أو تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الماضي.
انعكاسات المؤشر
وتنعكس هذه المؤشرات على صورة مصر خارجيًا، إذ تُقيّم الأنظمة سياسيًا واقتصاديًا وفق مؤشرات مثل الفساد والفقر والجريمة، لا وفق الدعاية الرسمية، ومع وصول الفقر إلى 34% رسميًا، وإخفاء معدلات الجريمة، وتصنيف البلاد كبيئة عالية المخاطر، تتردد الاستثمارات طويلة الأمد في دخول السوق المصري، بينما يظل الاعتماد على الأموال الساخنة هو الخيار الوحيد المتاح، كما أن ارتفاع الفساد يزيد احتمالات الاحتجاجات ويضعف الاستقرار السياسي، ما يجعل تقييم المخاطر السياسية لمصر سلبيًا للغاية.
ويبدو أنه لا أحد قادر على إنقاذ النظام من نفسه. وحده يملك قرار الإصلاح أو الاستمرار في المسار الذي يقود إلى مزيد من الانسداد السياسي، والإخفاق الاقتصادي، والفساد المؤسسي، والتدهور الأمني، ويبقى التحذير قائمًا من أن تجاهل هذه العوامل قد يدفع البلاد إلى دوامة اضطراب لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، بينما لا يملك المواطنون سوى الاستمرار في كشف الحقيقة والتنبيه إلى خطورة المسار الحالي.