“دمشق” على موجة “أبوظبي”.. تحذيرات من تمويل الثورة المضادة لأعمال رمضان الدرامية

- ‎فيعربي ودولي

حذر نقاد وفنيون من أن تمويل عاصمة الثورة المضادة للدراما في بلد خرج للتو من الاستبداد ليس تفصيلاً عابرًا، بل عامل شديد الحساسية، حيث شهدت الدراما السورية خلال السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا للتمويل الإماراتي، سواء عبر قنوات أبوظبي أو شركات الإنتاج في دبي أو من خلال المنصات المشتركة مثل “شاهد”، وهو ما جعل الإمارات واحدة من أهم الداعمين للإنتاج الدرامي السوري والسوري–اللبناني المشترك.

وكشفت لجنة صناعة السينما والتلفزيون أن الدراما السورية أنجزت 21 عملًا فنيًا صُوِّرت داخل سوريا بتكلفة قاربت 25 مليون دولار، ستُعرض خلال شهر رمضان عبر أكثر من 50 قناة تلفزيونية ومنصة رقمية حيث تعد الدراما السورية من أكثر ما يتابع عربيا ومحليا إلى جوار الدراما المصرية أو التركية التي دخلت منافسا قويا.

ومع توسع الإنتاج هذا العام، بات التمويل الإماراتي يشكل الكتلة الأكبر من الدراما السورية المعروضة في رمضان 2026. فمن بين نحو 25 عملًا سوريًا أو سوريًا–مشتركًا، تشارك الإمارات في تمويل ما بين 8 و10 أعمال، أي ما يقارب ثلث الموسم. وتقدَّر ميزانيات هذه الأعمال مجتمعة بما يتراوح بين 40 و70 مليون دولار، تشمل الإنتاج، ومواقع التصوير في أبوظبي، والخدمات اللوجستية، وعقود شراء مسبقة من القنوات والمنصات الخليجية بحسب تقارير.

وهذا الحضور المالي الضخم جعل الإمارات لاعبًا رئيسيًا في تحديد شكل الدراما السورية الجديدة، سواء من حيث نوعية الأعمال أو النجوم المشاركين فيها.

ويشارك في أعمال رمضان 2026 عدد من أبرز نجوم الدراما السورية الذين أصبحوا جزءًا ثابتًا من الإنتاج الخليجي–السوري المشترك، مثل عابد فهد، وباسل خياط، وجمال سليمان، وغسان مسعود. ويستفيد هؤلاء (أغلبهم يعيش في الإمارات أساسا وينتج أعماله منذ عهد الأسد) من ميزانيات إنتاج مرتفعة وبيئة تصوير مستقرة، بينما تستفيد الإمارات من حضورهم الجماهيري الواسع وقدرتهم على جذب المشاهد العربي.

وهذا التمويل لم يأتِ من فراغ، بل من رغبة إماراتية في تعزيز حضورها الثقافي والإعلامي، واستثمار قوة الدراما السورية التي ما زالت تحظى بجمهور واسع في العالم العربي. وقد انعكس ذلك في أعمال اجتماعية وأكشن وأعمال تاريخية ضخمة، بعضها بتمويل إماراتي كامل، وبعضها بتمويل مشترك مع السعودية.

أعمال رمضان 2026

من بين الأعمال التي تفتح باب المعتقلات مسلسل «عيلة الملك» للمخرج محمد عبد العزيز، الذي يتناول الصراع على السلطة والمال والفساد في دمشق خلال الأشهر الأخيرة من حكم بشار الأسد. يضم العمل مجموعة كبيرة من نجوم الدراما السورية، ويبدأ من استدعاء ربّ الأسرة إلى أحد الأفرع الأمنية، قبل أن تتوسع الأحداث لتكشف عن تحولات اجتماعية وسياسية. وقد دافع المخرج عن تصوير مشاهده داخل مواقع أمنية سابقة، معتبرًا أن الأماكن التي كانت تُحكم منها البلاد تحولت اليوم إلى فضاءات للتجريب الفني، وهو ما رفضه ناشطون وناجيات من الاعتقال، مثل جمانة شتيوي التي اعتبرت استخدام «فرع فلسطين» كموقع تصوير إهانة مباشرة للضحايا.

ولا يقتصر الأمر على هذا العمل، إذ يستعد المخرج محمد لطفي لتصوير مسلسل «الخروج إلى البئر» داخل سجن صيدنايا، مستندًا إلى أحداث واقعية أبرزها استعصاء عام 2008. وقد رحّبت السلطة الجديدة بالعمل وقدمت تسهيلات واسعة، فيما أكد القائمون عليه أنه يضيء على مرحلة مفصلية في تاريخ البلاد، ويشارك في بطولته جمال سليمان ونخبة من الممثلين السوريين والعرب. ويُتوقع أن يكون من أضخم الإنتاجات من حيث الديكورات والتصوير الممتد بين سوريا ولبنان والعراق.

 

كما أثار مسلسل «القيصر ـ لا مكان لا زمان» موجة اعتراضات وصلت إلى التظاهر في الشوارع، بسبب تناوله حقبة النظام السابق وقضايا الاعتقال، إضافة إلى مشاركة غسان مسعود في دور البطولة، وهو ما رفضه البعض بسبب مواقفه السابقة.

ويعتمد العمل على ثلاثيات منفصلة تستند إلى قصص حقيقية، ويشارك في بطولتها عدد كبير من نجوم الدراما السورية. وقد اعتبرت ناشطات مثل وفاء علي مصطفى أن تناول هذه الملفات دراميًا في هذا التوقيت غير لائق، وأن الجراح لم تلتئم بعد، فيما يخشى آخرون من تزييف الحقائق أو تجميل بعض الشخصيات.

في المحصلة، تشير تقارير إعلامية إلى أن هذا التوجه الجديد في الدراما السورية يعكس رغبة شركات الإنتاج في إعادة تشكيل المشهد الفني بما يتوافق مع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، ومحاولة تقديم سرديات جديدة لحقبة النظام السابق، وسط جدل مستمر حول حدود الفن، وحقوق الضحايا، ومكان الذاكرة في زمن التغيير.
 

إعادة كتابة ما حدث

مع اقتراب موسم رمضان الحالي، برزت موجة انتقادات من نقاد سوريين تجاه التمويل الإماراتي المتزايد للدراما السورية، معتبرين أن دخول أبوظبي بهذا الحجم في إنتاج أعمال تتناول السجون والمرحلة الانتقالية يهدد استقلال السردية السورية. الناقد محمد منصور كتب مؤخرًا أن “المال الخليجي يحاول إعادة كتابة الذاكرة السورية بما يناسب مصالحه”، محذرًا من أن الأعمال التي تُصوَّر داخل معتقلات سابقة قد تتحول إلى “تبييض فني” لمرحلة لم تُحاسَب بعد. وفي الاتجاه نفسه، اعتبر الناقد سامر رضوان في تصريح حديث أن “الدراما التي تُموَّل من الخارج لا يمكن أن تكون محايدة، خصوصًا حين تتناول جراحًا مفتوحة مثل صيدنايا وفرع فلسطين”.

كما انتقدت الكاتبة لينا دياب في مقابلة صحفية هذا الموسم “تحوّل الدراما السورية إلى مقاولة سياسية”، مشيرة إلى أن التمويل الإماراتي يفرض شروطًا غير معلنة على طبيعة القصص وحدود الجرأة، وأن الخطر الأكبر هو “استبدال رقابة النظام برقابة الممول”. وذهب الناقد اللبناني حسام عيتاني إلى أن الأعمال التي تُنتج بتمويل إماراتي في لحظة انتقال سياسي “قد تُستخدم لإعادة ترتيب الوعي العام، لا لتوثيق الحقيقة”، معتبرًا أن تصوير أعمال داخل سجون حقيقية بتمويل خارجي “يمسّ العدالة الانتقالية قبل أن يخدم الفن”.

هذه الانتقادات ترافقت مع اعتراضات من حقوقيين وناجين من الاعتقال، الذين رأوا أن السماح لجهة خارجية بتمويل أعمال عن السجون السورية “يحوّل الألم إلى مادة استثمارية”، وأن الممول الذي دعم قوى الثورة المضادة في المنطقة لا يمكن أن يكون راعيًا محايدًا لدراما تتناول جرائم الاستبداد. وهكذا، أصبح التمويل الإماراتي موضوعًا للنقاش الفني والسياسي في رمضان الجاري، ليس بسبب جودة الأعمال فقط، بل بسبب سؤال أكبر: من يكتب رواية السوريين الآن، ومن يملك حق سردها.

تمويل الدراما

ويخشى نقاد وفنانون من أن يتحول هذا التمويل إلى أداة لإعادة صياغة الحكاية الوطنية من الخارج، وتحديد ما يجب أن يُروى وما يجب أن يُطمس، في بلد يحاول لملمة جراحه بعد سقوط الاستبداد. فالفن في لحظات التحول السياسي ليس مجرد ترف، بل ساحة صراع على الذاكرة والوعي، وأي تدخل خارجي قد يعيد إنتاج الهيمنة بشكل ناعم، عبر روايات تُخفف من حدّة الجرائم أو تُعيد تلميع رموز الماضي بما يخدم مصالح الممول لا مصالح الضحايا.

ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا بقوة هذا العام: هل يكتب السوريون روايتهم بأنفسهم، أم تُكتب لهم؟ ففي بلد خرج حديثًا من قبضة الاستبداد، يحتاج الفن إلى أن يكون حرًا، مستقلًا، قادرًا على مواجهة الماضي لا تجميله، وعلى قول الحقيقة لا الالتفاف حولها. أما حين يحتل الممول الخارجي موقعًا مركزيًا في صناعة الدراما، فإن الخوف يصبح مشروعًا من أن تتحول الذاكرة السورية إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل، لا إلى حقٍّ أصيل يملكه أصحابها وحدهم.