لم تكن واقعة إلقاء أكياس المياه والقمامة على المصلّين أثناء صلاة العيد في شيراتون -القاهرة (أمام مسجد الصديق) مجرد حادثة عابرة، (حتى بعد القاء القبض عليهم قبل ساعات من يوم العيد الجمعة) بل تحوّلت خلال ساعات إلى واحدة من أكثر القضايا اشتعالًا على منصات التواصل، بعدما كشفت حجم الاحتقان الاجتماعي، والانفلات الأخلاقي، وتراجع الردع، وتباطؤ الأجهزة الأمنية في التعامل مع حادث يمسّ شعيرة دينية وجماعة بشرية كبيرة.
السؤال الذي طرحه كثيرون على منصات التواصل الاجتماعي لم يكن عن تفاصيل الواقعة بقدر ما كان عن هوية الفاعلين، وعن سبب غياب الدولة، وعن كيف أصبح المجتمع قابلًا لإنتاج مثل هذا السلوك.
الضجة بدأت عندما نشر ناشطون مقاطع تُظهر مجموعة من الشباب يلقون أكياس مياه وقاذورات على المصلّين من شرفة أحد المنازل. ثم جاء تعليق لافت من أحد النشطاء العرب قال فيه: “حتى تعرفوا مستوى الانحطاط الذي وصل إليه صديقي السيسي ونظامه… اليوم في القاهرة قامت عائلة برمي أكياس فيها مياه على المصلين… فورًا صدرت تعليمات من النظام للجانه الإلكترونية بالنشر أن هؤلاء سوريون… هذا الانحدار الطفولي بالفجور غير مسبوق.”
هذا الاتهام لم يكن موجّهًا إلى الفاعلين فقط، بل إلى طريقة تعامل الدولة، وإلى محاولة صناعة سردية بديلة عبر اتهام السوريين، وهو ما اعتبره كثيرون محاولة للهروب من مواجهة حقيقة الانفلات الداخلي.
في هذا السياق، كتب محمد صلاح @SalahAlhayat تحليلًا شديد اللهجة، معتبرًا أن ما جرى “ليس حادثًا عابرًا، بل صفعة مدوية على وجه الانضباط”، وأن إلقاء الماء على المصلّين “اعتداء فجّ يكشف إلى أي مدى يمكن أن ينحدر المشهد حين يغيب الردع”.
وأضاف أن السياسات التي “تفرّط في معايير الإقامة والتجنيس” وتترك الملفات الحساسة بلا متابعة “تزرع بذور الفوضى بيدها”، داعيًا إلى “مراجعة صارمة لملف اللاجئين” وإلى “ضبط حقيقي ومحاسبة لا تعرف التهاون”.
https://x.com/SalahAlhayat/status/2034990782738809257
لكن السجال لم يتوقف عند حدود “اللاجئين”، بل اتخذ منحى طائفيًا عندما نشرت مايا من سورية @mayaomwya تغريدة قالت فيها إن الفاعلين “طلعوا مسيحيين”، مضيفة أن “أقباط مصر يختلفون 180 درجة عن مسيحيي سوريا”، وأن “السيسي مسيّدهم”، وأن المتهمين “لن يُحاسَبوا”.
https://x.com/mayaomwya/status/2034932589803233482
هذا الطرح فجّر موجة غضب مضادة، إذ اعتبره كثيرون محاولة لإشعال فتنة. وكتب @Remo8588 أن الفاعلين — أيًا كانت ديانتهم — “عيال مشافوش تربية”، وأن الداخلية يجب أن “تقبض عليهم وتحاسبهم”، مؤكدًا أن السلوك “لا علاقة له بالدين”.
https://x.com/Remo8588/status/2034979989666287870
أما نانسي صليب @thenoussa فرفضت إدخال الدين في القضية، قائلة إنها “مش فارق معاها تعرف ديانتهم”، لأن “العيال ما عدتش على رباية”، وأن المجتمع أصبح مليئًا بنماذج مشابهة. وفي تغريدة أخرى، تساءلت عن سبب “التصرفات الغريبة” التي بدت وكأنها “احتفال”، مشيرة إلى أن المشهد “مش تصرفات ناس في وعيها”.
https://x.com/warfareanalysis/status/2035006137104572489
وتوالت التعليقات التي تحاول تفسير الظاهرة. كتب أحمد رشاد@ahmedrashad200 أن الانفلات الأخلاقي “داخل على منعطف أخطر”، وأن السوشيال ميديا وسلبية الأهل “هتضيع الجيل كله”.
بينما دعا حساب 2. @8hf1GVp1bfiDqDm إلى عدم إدخال الدين في الموضوع، لأن “القصة إن دول شوية معاتيه قليلة الرباية محتاجين إعادة ضبط مصنع”.
لكن السجال لم يهدأ، إذ كتب ابن بالولوينو@olivertwist7005 أن الفاعلين “سوريين”، بينما قال د/ حسين الشافعي @9joovwqkaT0bf6U إنهم “مسلمين بس قلة الأدب مالهاش علاقة بالدين”. واعتبر ابراهيم@KabtinHiiim أن التصرف “شاذ” ومرتبط بانعدام التربية.
ثم دخل زين @MohammedTantawi على الخط، مؤكدًا أن ديانة الفاعلين “مهمة”، وأن القضية يجب أن تُعامل كـ“فتنة طائفية” إذا لم يكونوا مسلمين، بينما ردّت شري @queenfarida2006 بأن “الأقباط المسيحيين ما يعملوهاش”، ليعود زين ويقول إن “كل البشر فيهم الصالح والطالح”، قبل أن تردّ شيري مجددًا بأن “مش معقول واحد مسيحي في بلد مسلم يرمي أكياس ميه على مصلين وقت صلاة العيد”.
https://x.com/queenfarida2006/status/2035084102030815426
وسط هذا السجال، بقيت وزارة الداخلية غائبة عن المشهد، ولم تُعلن هوية الفاعلين بسرعة ومكان الحدث المنتشر على منصات التواصل، ما فتح الباب أمام الشائعات، والتأويلات، والاتهامات المتبادلة. هذا التباطؤ الأمني جعل الواقعة تتحول من “سلوك فردي منحرف” إلى أزمة رأي عام، وإلى اختبار لهيبة الدولة وقدرتها على فرض النظام.
الحقيقة أن الواقعة — كما تظهر من هذا السيل من التعليقات — ليست مجرد انفلات أخلاقي، ولا مجرد انحراف عقدي، بل مرآة لخلل اجتماعي عميق، ولغياب الردع، ولتراجع دور الدولة في ضبط المجال العام. وعندما تغيب الدولة، يملأ الناس الفراغ بالسرديات الطائفية، والاتهامات العشوائية، والتخوين، وتبادل اللوم بين السوريين والمصريين، وبين المسلمين والمسيحيين، وبين “الجيل الجديد” و“الأهالي" في وقت فقدت فيه الدولة القدرة على إدارة الأزمات الصغيرة قبل أن تتحول إلى كوارث اجتماعية. وإن ترك الواقعة بلا ردع واضح سيجعل الباب مفتوحًا لمزيد من الفوضى، ومزيد من الاحتقان، ومزيد من التشظي داخل مجتمع يعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية ونفسية وسياسية غير مسبوقة.