احتكار سيادي على الدواء في مصر لا ينعكس فقط في ارتفاع أسعار الدواء وتراجع المنافسة، بل في تحول الدواء نفسه من سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب إلى أداة ضمن منظومة نفوذ أوسع، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، والقرار السيادي بالقرار التجاري، في قطاع يمس حياة كل مواطن بشكل يومي.
50 مليار جنيه حجم إنفاق المصريين على الأدوية عبر الصيدليات خلال أول شهرين من 2026، مع توقعات بارتفاع مبيعات الدواء في مارس الجاري، ليصل إجمالي السوق إلى أكثر من 80 مليار جنيه في الربع الأول من هذا العام، وفق "العربية بيزنس".
وما لم تقله هذه المنصة، أن الجهات السيادية ومنها شركات الجيش والمخابرات التي فشل بظلها مشروع صيدليات 19011 لم تعد مجرد منظم للسوق، بل أصبحت لاعبًا يمتلك أو يشارك في مفاصل؛ الاستيراد، والتوزيع، والبيع، والتسعير، والبيانات فضلا عن بعض التصنيع وهذا يخلق تضارب مصالح بنيويًا، لأن الجهة التي تضع القواعد هي نفسها التي تستفيد من تطبيقها اقتصاديًا، في سوق يعاني أصلًا من ضعف الشفافية وقلة المنافسة.
وقبل نحو أسبوع أعلن رئيس شعبة الأدوية علي عوف احتمال رفع أسعار الدواء 30٪ بسبب “الضغوط الحالية”، رغم إن المخزون يكفي 10 شهور! وهو ما دفع محمد عنان @3nan ma إلى التساؤل "عايز يغلي السعر 30% استباقا، يبقى إحنا مش قدام أزمة توفير، إحنا قدام عصابة بتستغل مرض الناس عشان تأمن مكاسبها بالدولار، نفس سيناريو حيتان الموبايلات اللي وقفوا البيع علشان الدولار،النهاردة الدوا بيلحقهم في سباق ".
وتساءلت منصات أن هذه الزيادة الاستباقية تعني أن "المواطن يدفع أضعاف تمن حياته مع نفس المبررات كل مرة لاستنزاف جيوبه".
وتتشارك الإمارات مع الجهات السيادية "سبوبة" الدواء فبحسب @missaskh "الإمارات، حطمت اقتصاد مصر، بتشتري شركات الأدوية في المغرب ومصر وخصخصتها و تسببت في نقص في الأدوية و غلائها".
ورغم أن الإمارات لا تمتلك مصانع دواء مصرية كبرى بشكل مباشر، فإنها نجحت في بناء نفوذ قوي عبر السيطرة على مفاصل اللوجستيات والشراء الموحد والمكملات والبيانات، بما يمنحها ما بين 30 و40% من “قوة التحكم” في السوق.
السيطرة على المفاصل لا على المصانع
ويظهر النفوذ الإماراتي بوضوح في قطاع لوجستيات الدواء وسلاسل الإمداد، وهو العمود الفقري لحركة الدواء داخل مصر. شركات ذات تمويل خليجي مثل Agility تعمل في التخزين والنقل المبرد وإدارة المخازن، وهي خدمات يعتمد عليها المصنعون والموزعون والصيدليات، ورغم أن حجم هذا القطاع ماليًا يتراوح بين 0.8 و1.2 مليار دولار سنويًا، أي ما يعادل 10–15% من حجم سوق الدواء، فإن تأثيره يتجاوز حجمه المالي بكثير، إذ يُقدّر تأثيره في “قوة التحكم” بنحو 20–25%، لأنه يتحكم في توافر الدواء وسرعة وصوله وقدرة الصيدليات الصغيرة على المنافسة.
أما الشراء الموحد للصيدليات، فهو مركز الثقل الحقيقي في النفوذ الإماراتي، منصات تستثمر فيها صناديق إماراتية مثل ADQ وChimera تتحكم في ما تشتريه الصيدليات، وبأي سعر، ومن أي شركة، ورغم أن حجم هذا النشاط حاليًا يتراوح بين 0.5 و0.8 مليار دولار، إلا أنه مرشح للارتفاع إلى 1.5–2 مليار دولار خلال سنوات قليلة، وبما أن الصيدليات تمثل نحو 70% من مبيعات الدواء في مصر، فإن السيطرة على الشراء الموحد تمنح نفوذًا مباشرًا على الأسعار وتوزيع المنتجات وهوامش الربح، ويُقدّر تأثير هذا القطاع في التحكم بالسوق بنحو 30–35%.
ويمتد النفوذ الإماراتي إلى قطاع المكملات الغذائية والأغذية الطبية، الذي يتراوح حجمه بين 0.7 و1 مليار دولار سنويًا، ويمثل مصدر الربح الأساسي للصيدليات أكثر من الأدوية نفسها، وكان دخول شركة (أغذية) Agthia واستحواذها على 60% من شركة أبو عوف منح الإمارات موطئ قدم قوي في المنتجات التي تحدد سلوك البيع داخل الصيدليات، ويُقدّر تأثير هذا القطاع بنحو 15–20% من قوة التحكم، كما يظهر النفوذ في إدارة المخلفات الدوائية وأنظمة التتبع عبر شركات مثل (وقاية) WEKAYA، التي تمنح الجهات المالكة قدرة على الوصول إلى بيانات حساسة عن الإنتاج والتوزيع والأدوية الأعلى مبيعًا والصيدليات الأكثر نشاطًا، وهو قطاع صغير ماليًا (50–100 مليون دولار سنويًا) لكنه استراتيجي، ويُقدّر تأثيره بنحو 20% من قوة التحكم، لأن من يملك البيانات يملك خريطة السوق.
من يسيطر على النسبة المتبقية من السوق؟
رغم قوة النفوذ الإماراتي في المفاصل، فإن الجزء الأكبر من السوق لا يزال في يد لاعبين محليين، شركات تصنيع الدواء المصرية الخاصة تمثل نحو 45–50% من السوق، وتشمل فاركو، إيبيكو، سيديكو، جلوبال نابي، ماركيرل، إيفا فارما، إضافة إلى شركة آمون المملوكة لشركة (حكمة) Hikma الأردنية–البريطانية ذات المساهمات الخليجية، لكنها ليست استحواذًا إماراتيًا مباشرًا، هذه الشركات تنتج الجزء الأكبر من الأدوية التي يعتمد عليها السوق المصري، وتحدد فعليًا حجم المعروض من الدواء.
إلى جانب ذلك، تسيطر شركات توزيع الدواء الكبرى على نحو 20–25% من قوة التحكم في السوق، وأبرزها ابن سينا فارما، المتحدة UCP قبل انهيارها، والمصرية لتجارة الأدوية EDA ، هذه الشركات تتحكم في وصول الدواء للصيدليات وتوازن السوق وتوافر الأصناف، أما القطاع الحكومي، فيمتلك نفوذًا تنظيميًا كبيرًا من خلال هيئة الدواء ووزارة الصحة والشركة المصرية لتجارة الأدوية والمناقصات الحكومية، لكنه ليس المسيطر تجاريًا، ويُقدّر تأثيره بنحو 10–15%.
أزمة لبن الأطفال: نقطة كشفت السيطرة السيادية
في المقابل، توسعت الجهات السيادية المصرية تدريجيًا من أزمة لبن الأطفال إلى صيدليات الإسعاف، ثم التوزيع، ثم الصيدليات، ثم الشراء الموحد، ثم التسعير، في مسار يكشف عن مشروع متكامل لإعادة تشكيل سوق الدواء تحت إدارة مركزية.
وتحوّل سوق الدواء في مصر خلال السنوات الأخيرة من سوق متعدد اللاعبين إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح الجهات السيادية مع رأس المال الخليجي ومع القطاع الخاص المحلي، في بنية أقرب إلى “الاحتكار المنظم” منه إلى السوق الحر.
وكانت أزمة لبن الأطفال في 2016 لحظة كاشفة، اختفى اللبن المدعّم من السوق فجأة، وظهرت طوابير أمام مراكز الأمومة والطفولة، ثم أعلنت القوات المسلحة أنها استوردت شحنات ضخمة من لبن الأطفال وبدأت بيعها عبر منافذ الجيش بسعر أقل من السوق، رسميًا، قُدّم الأمر كتدخل لحل أزمة، لكن عمليًا كان ذلك نقطة دخول إلى قطاع دوائي حساس يصل مباشرة إلى المستهلك. منذ تلك اللحظة، أصبح للجهات السيادية دور مباشر في استيراد وتوزيع منتج دوائي–غذائي حيوي، ما فتح الباب لتوسيع هذا النموذج على قطاعات أخرى.
بعد اللبن، بدأت صيدليات الإسعاف تتحول تدريجيًا من منافذ حكومية تقليدية إلى ذراع توزيع تُدار فعليًا ضمن منظومة سيادية أوسع. ورغم أن الملكية بقيت حكومية، فإن الإشراف والإدارة والربط بمنظومة الشراء الموحد وأنظمة التوزيع المركزية جعلت صيدليات الإسعاف جزءًا من شبكة تحكم في توافر الأدوية الحساسة والناقصة، وفي أحيان كثيرة مصدرًا وحيدًا لبعض الأصناف، وهو ما لا يحدث إلا في ظل سيطرة على البيانات والمخزون.
الصندوق السيادي، العزبي، والتوزيع: إعادة هندسة السوق
وفي أغسطس 2022 أنشأ صندوق مصر السيادي صندوقًا فرعيًا للاستثمار في القطاع الصحي والدوائي، بهدف معلن هو جذب الاستثمارات وإعادة هيكلة القطاع، بعد ذلك بفترة قصيرة، تم القبض على صاحب صيدليات العزبي بتهمة امتلاك أكثر من صيدلية بالمخالفة لقانون مزاولة المهنة، رغم أن هذه السلسلة تعمل بهذا الشكل منذ عقود، ورغم أن القانون نفسه لم يُطبّق بنفس الحدة على سلاسل أخرى ومنها السلسلة التي هرب مؤسسوها إلى الخارج بالمليارات 19011 .
ودفع هذا التزامن كثيرين لاعتبار القضية جزءًا من إعادة ترتيب ملكية وإدارة واحدة من أكبر سلاسل الصيدليات في مصر، خاصة مع تداول واسع لمعلومات عن دخول الصندوق السيادي في شراكات أو ترتيبات مرتبطة بالسلسلة، وإن لم تُعلن نسب ملكية رسمية واضحة.
في الوقت نفسه، تعرضت شركة المتحدة للأدوية UCP، إحدى أكبر شركات التوزيع، لانهيار مفاجئ بعد وفاة صاحبها، ودخلت “جهة غير معلنة” للاستحواذ على أصولها، في وقت ظهرت فيه شركات توزيع جديدة مرتبطة بالصندوق السيادي أو بشركات استثمار مثل B Investments، مع تشابه في مجالس الإدارة وتداخل في الأنشطة تحت مسميات “الخدمات الدوائية” و“التوزيع”، هذا النمط يشير إلى إعادة هندسة لسوق التوزيع، بحيث تنتقل السيطرة تدريجيًا من القطاع الخاص التقليدي إلى تحالفات تضم جهات سيادية الجيش والمخابرات وشركاء ماليين.
من صيدليات الإسعاف إلى الصيدليات الخاصة: نحو احتكار مركزي
ومع توسع الصندوق السيادي في القطاع الصحي، وظهور خطط معلنة لإعادة تنظيم سوق الصيدليات، بدأ يتشكل اتجاه واضح نحو تجميع سلاسل الصيدليات تحت إدارة مركزية، سواء عبر شراكات، أو شراء ديون، أو ترتيبات تشغيلية، صيدليات الإسعاف، التي كانت ذراعًا حكوميًا، أصبحت جزءًا من منظومة توزيع سيادية، بينما سلاسل خاصة كبرى مثل العزبي دخلت في مسار قانوني–اقتصادي انتهى إلى إعادة تموضعها داخل خريطة نفوذ جديدة، بالتوازي، توسعت الجهات السيادية في التحكم في الشراء الموحد والاستيراد عبر هيئة الشراء الموحد، وفي التسعير والتسجيل عبر هيئة الدواء المصرية، وفي البيانات عبر أنظمة التتبع، وفي المكملات عبر شراكات مع رأس مال خليجي.
اقتصاد سياسي للدواء
الصورة النهائية تكشف أن سوق الدواء في مصر لم يعد مجرد قطاع اقتصادي تقليدي، بل أصبح اقتصادًا سياسيًا بامتياز، الإمارات تمتلك بين 30 و40% من قوة التحكم عبر اللوجستيات والشراء الموحد والمكملات والبيانات، بينما تسيطر الشركات المصرية الخاصة على الجزء الأكبر من التصنيع، وتبقى شركات التوزيع الكبرى والقطاع الحكومي جزءًا من المعادلة، في المقابل، توسعت الجهات السيادية المصرية تدريجيًا من أزمة لبن الأطفال إلى صيدليات الإسعاف، ثم التوزيع، ثم الصيدليات، ثم الشراء الموحد، ثم التسعير، في مسار يقود إلى احتكار مركزي لمفاصل السوق.