شغف لا يموت من الملاعب المصرية لـ سحر الملاعب الأوروبية
لم يعد الأمر مجرد تسلية أسبوعية، بل تحول إلى ظاهرة تستحق الدراسة؛ لاسيما مع إعلان الأسطورة المصرية محمد صلاح عن إنهاء مشواره التاريخي مع نادي ليفربول، والاتجاه المرتقب نحو محطة احترافية جديدة قد تكون في الملاعب السعودية أو التركية.
لما تبهرك الاحترافية ويزعلك حال بلدك؟
ثمة قراءة سوسيولوجية ورياضية واضحة تفسر استمرار هذا الشغف الكروي الجارف؛ حيث يرى مراقبون أن انصراف الجمهور عن المسابقات المحلية يرجع بالأساس إلى سوء حالة الرياضة وإدارة كرة القدم في مصر.
ويضيفون أن الأندية الجماهيرية تعاني من أزمات مالية وإدارية طاحنة، والمسابقات المحلية تفتقد للنظام والعدالة وجاذبية العرض والتنظيم، فضلاً عن غياب الحضور الجماهيري الفاعل واللوحات التكتيكية المبدعة.
وفي المقابل، يجد المشجع المصري في "البريميرليج" جودة العرض التلفزيوني، البنية التحتية والملاعب المهيأة، والاحترافية الكاملة، بجانب ارتباطه باشتراكات المقاهي الناقلة لشبكة قنوات "بي إن سبورتس"، وهو ما يجعل من المشاهدة طقساً اجتماعياً وثقافياً لا بديل عنه.
وفي ختام موسم كروي استثنائي شهدته الملاعب الإنجليزية لعام 2025/2026، أسدل الستار على منافسات "البريميرليج" بتتويج مانشستر سيتي بطلاً لكأس الرابطة وحسم مقاعد دوري أبطال أوروبا لصالح أندية (أرسنال، مانشستر سيتي، مانشستر يونايتد، أستون فيلا، وليفربول).
ولحق قطار اليورباليغ كل من بورنموث وسندرلاند، وظفر برايتون ببطاقة دوري المؤتمرات.
ومع هذا الختام، تجددت في الشارع الرياضي المصري التساؤلات العميقة حول سر الارتباط العاطفي واليومي للمشجعين المصريين بهذا الدوري، وتفضيله المطلق على المسابقات المحلية.
وبرزت دعوات تفيد بالانصراف عن متابعة الدوري الإنجليزي تحت شعار "احنا زعلانين" لمغادرة صلاح، معتبرين أن نكهة البطولة ستغيب برحيله، وفي هذا السياق، عبّر الذراع الأمني أحمد موسى عن هذا توجه يبدو إرضاء منه لراس الانقلاب قائلاً: "لن نشجع ليفربول بعد مغادرة صلاح والبريميرليج من بعده مش هيكون له طعم".
بيد أن هذا الرأي واجهه تيار آخر يرى أن التجربة الاحترافية لصلاح تجاوزت مجرد المستطيل الأخضر لتصنع إرثاً ملهماً وقيمياً، وتفتح الباب أمام أجيال جديدة من اللاعبين المصريين، وكتب الإعلامي مصطفى عاشور مستعرضاً هذا الأثر البصري والأخلاقي عبر حسابه:
@moashoor: "كمصري وعربي فخور بنجاحه في مسيرته فقد كان ملهما للشباب في أخلاقه وسلوكه وانضباطه واحترافيته (لم يكن منحرف السلوك، بل ترك انطباعاً عن أمته ودينه في بريطانيا يتحدث عنه الجميع وأطالب الشباب أن يتعلموا من عقليته الاحترافية، وأن يضيفوا عليها مسددين النقص الذي انتقد فيه صلاح وهو تردده في دعم مواقف أمته (فلسطين) والحقيقة اقولها دائما قضية فلسطين وغزة هي قضية تختار رجالها {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} بالتوفيق للنجم محمد صلاح فيما هو قادم {ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا}".
دفاتر أحوال الكرة بين لندن والقاهرة
وعلى الجانب الآخر، تباينت التقييمات الفنية للجماهير حول طبيعة التنافس هذا الموسم؛ فبينما يرى البعض روعة في جودة العرض، أشار الطبيب أحمد حسن إلى تراجع التنافسية في تغريدة له: @ahmedhassan_14: "بعيداً عن الفانتازي أنا أتابع البريميرليج منذ 1999 هذا أسوأ موسم تنافسي رأيته ف حياتي للبطولة دي حتى في فترات هيمنة مانشستر السير و السيتي بيب عمري ما شوفت البريميرليج منتهي من شهر أكتوبر كما أراه هذا العام ليڤربول البطل و بأريحية غريبة و يمكن دون مجهود يذكر حتى و دون دخول حروب"
ولم يخلُ المشهد الاجتماعي من توجيه انتقادات حادة للنهج الإداري الرياضي داخل مصر ومقارنته بالمنظومة الإنجليزية، فقد قارن مغردون بين احترافية العمل الفني في بريطانيا وبين التخبط والمحسوبية في الاتحاد المصري لكرة القدم، مشيرين بتهكم إلى الأنباء المتداولة عن طلب هاني أبو ريدة دعماً ضخماً بقيمة 34 مليون جنيه من وزارة الرياضة لسفر بعثة ضخمة تضم نحو 100 إعلامي إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم على نفقة الدولة، في مفارقة تعكس حجم إهدار الموارد وسوء الإدارة تحت المظلة السياسية الحالية في مصر مقارنة بالشفافية الغربية.
مرموش وسام ..الطيور المهاجرة
ومع ذلك، يظل الدافع الأكبر لاستمرار شغف المصريين بمتابعة "البريميرليج" هو الحضور المتزايد للطيور المهاجرة والمواهب المصرية الشابة التي تسير على خطى محمد صلاح. فلم تعد المتابعة مقتصرة على ليفربول، بل امتدت لتشمل مانشستر سيتي بعد انتقال النجم الشاب عمر مرموش إلى صفوفه وافتتاحه سجله التهديفي بهدفين رائعين في شباك نيوكاسل يونايتد على ملعب "الاتحاد"، محققاً لقبه الأول في إنجلترا بالتتويج بكأس الرابطة.
ويبرز اسم القائد المخضرم سام مرسي، الذي واصل كتابة التاريخ بعودته إلى أجواء الكرة الإنجليزية من بوابة بريستول سيتي بعد قيادته التاريخية السابقة لنادي "إيبسويتش تاون" للصعود؛ ليمثل رهاناً جديداً على قدرة اللاعب المصري على صناعة الفارق تحت الضغط وفي أصعب المنافسات، يضاف إلى ذلك بزوغ أسماء واعدة في الدوريات الأوروبية الكبرى وقربها من الأجواء الإنجليزية مثل مصطفى محمد، والنجم الصاعد حمزة عبد الكريم (18 عاماً) الذي يلعب مع رديف برشلونة، فضلاً عن النجاحات الإدارية الاستثنائية كاعتماد فايزة حيدر كأول مدربة مصرية معتمدة رسمياً من البريميرليج.
الاحترام المتبادل أساس اللعبة
إن التفاعل الجماهيري يبرهن على أن المتابع العربي والمصري يبحث دائماً عن التقدير والاحترام الفني. ويلخص المغرد عمرو هذه العلاقة التفاعلية الراسية على الاحترام المتبادل قائلاً من حسابه: @bt3: "نهاية الموسم الرياضي في البريمرليغ 2025/26 الجميع يعرف بأنني مشجع لمانشستر سيتي ولكن طالما ما حرصت على تقديم أفضل تغطية ممكنة لكل الفرق حتى لو كانت في يوم خسارة فريقي لقب الدوري. حرصت دائماً على احترام المتابع الرياضي العربي مهما كان فريقه وتقديم أفضل وأدق محتوى على مدار الموسم، شكراً لدعمكم وتفاعلكم العظيم وأسأل الله أن يجعلكم شاهدين لي عليّ ويسترنا جميعاً في الدنيا والآخرة".
اللحظات التاريخية لتكريم الأيقونة المصرية
https://x.com/AsharqNewsEGY/status/1660248232988114945
واحتفل النجم محمد صلاح قبل أشهر بتسلمه جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي الممتاز من جانب رابطة الكتاب الإنجليز للمرة الثالثة في تاريخه، معلقاً عبر حساباته: "إنه لشرف عظيم لي أن أفوز بهذه الجائزة للمرة الثالثة".
الهروب من العشوائية
يثبت الواقع الرياضي أن هجرة الجماهير المصرية نحو الملاعب الإنجليزية ليست تقليلاً من قيمة المنتج الوطني، بل هي نتاج طبيعي للبحث عن كرة قدم حقيقية تدار باحترافية، وهروب مشروع من واقع محلي مأزوم تسيطر عليه العشوائية الإدارية.
وستظل ملاعب "البريميرليج" القبلة الأولى للمشجع المصري، ليس فقط لمشاهدة فنيات اللعبة، بل للافتخار بهويته من خلال تتبع خطوات أبنائه الذين يثبتون يوماً بعد آخر أن اللاعب المصري متى ما توفرت له البيئة الاحترافية العادلة والنظام الصارم، فإنه قادر على معانقة المجد واعتلاء منصات التتويج العالمية.