"ما أشبه الليلة السوداء بالبارحة السوداء"؛ لم تكن هذه العبارة المأثورة مجرد تعبير عابر عن ضيق سياسي، بل تحولت في الفضاء الرقمي والتحليلي المصري إلى أداة لتشريح الواقع ومقارنة محطات الإخفاق التاريخي الكبرى. إن الربط بين نكسة 5 يونيو 1967 وما تلاها من تبعات، وبين أحداث 30 يونيو 2013 وانقلاب 3 يوليو، لم يعد مقتصرًا على أدبيات المعارضة السياسية؛ بل جاء مدفوعًا باعترافات رسمية صريحة أدلى بها رئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي بنفسه.
وفي الوقت الذي تستنفر فيه أجهزة التوجيه المعنوي والشؤون المعنوية في مصر كافة طاقاتها للحشد والاحتفال بذكرى 30 يونيو، مستخدمة الفضاء الرقمي وأخواته كالهاشتاجات يرى قطاع واسع من المراقبين والناشطين أن الواقع المعيشي على الأرض يروي قصة شديدة الانهزامية. بينما تنطلق "حشود النهيق" الإعلامي لتجاهل قضايا جوهرية ومآسٍ إنسانية تمس "شهيدات لقمة العيش" والفقراء، تتحدث المؤشرات الاقتصادية الرسمية والدولية بلغة الأرقام الصادمة التي تكشف عن عمق الأزمة الهيكلية.
واقع أشد سوادا
ويؤكد مراقبون أن مصر تحولت في ظل السياسات الراهنة إلى ثاني أعلى دولة استدانة من صندوق النقد الدولي في العالم بأسره، ووفقًا للبيانات المتداولة، فقد قفزت الديون الخارجية للبلاد لتصل إلى قرابة 165 مليار دولار، وهو ما يمثل تضاعفًا بأكثر من خمسة أضعاف خلال السنوات العشر الماضية فقط، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن إجمالي الدين العام في مصر تجاوز حاجز 16 تريليون جنيه مصري، هذه الأرقام الفلكية تعني من الناحية الحسابية أن كل مواطن مصري، بما في ذلك الأطفال والمواليد الجدد الذين لم يولدوا بعد، بات مثقلًا بمديونية شخصية تبلغ حوالي 105 آلاف جنيه.
ويشدد المراقبون على أن الكارثة الأكبر تكمن في أن خدمة هذه الديون والفوائد المترتبة عليها قد تخطت بالفعل إجمالي الإيرادات العامة للدولة، مما يضع البلاد في حلقة مفرغة من الاستدانة لأجل سداد الديون. ويتزامن هذا مع التوسع غير المدروس في مشروعات التفاخر العمراني، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة التي أثقلت كاهل الاقتصاد بديون مباشرة بلغت 42.5 مليار دولار، يُضاف إليها 45 مليار دولار أخرى من التزامات ومشاريع مرتبطة، ليصل الإجمالي التقريبي إلى ما يقارب 88 مليار دولار.
وعن هذا الواقع الاقتصادي المرير، يعلق الصحفي علاء البحار مبرزًا حجم الخسارة الإنسانية: "30 يونيو هو أسود يوم شهدته مصر.. وأسوأ ما فيه أنه قتل حلم الغلابة بالعيش الكريم والحرية".
وفي ذات السياق الكارثي، يختصر الناشط سامح سعيد التحول الحاد في القدرة الشرائية للمواطن من خلال تدوينته عبر حساب @samehsaied19 قائلاً:
"الصعود إلى الهاوية.. الحمد لله على 30 يونيو.. كيف ارتفع سعر الأنبوبة من 6 ج : 250 ج.. كيف ارتفع سعر الدولار من 6 ج : أكثر من 50 ج.. #السيسي_خربها #السيسي_خاين_وعميل"
https://x.com/samehsaied19/status/1938758219666772308
نكسة دون حرب
وتذهب الكاتبة والصحفية شيرين عرفة من خلال حسابها @shirinarafah إلى تقديم قراءة معمقة لملامح ما تصفه بـ"نكسة مصر من دون حرب". وتربط عرفة بشكل منطقي بين السلوك السياسي للنظام الراهن وما يحدث من تدمير ممنهج للبنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، مستشهدة في ذلك بالتقرير الموسع والشهير الذي نشرته مجلة "الإيكونوميست" البريطانية في أغسطس 2016 والذي حمل عنوانًا صريحًا: "خراب مصر على يد السيسي".
وتوضح عرفة أن هذا التدمير والتخريب للدولة العربية الكبرى -التي لطالما اعتبرتها إسرائيل عدوها الأبرز وخاضت ضدها خمس حروب واستولت في إحداها على سيناء- يمثل في جوهره انتصارًا مجانيًا ودون أدنى تكلفة عسكرية لدولة الاحتلال، وتستشهد بالاحتفال الباذخ الذي أقيم في استاد العاصمة الإدارية الجديدة تحت عنوان "حكايات الأبطال"، حيث وقف السيسي ليشبه فترة حكمه بفترة هزيمة مصر في 1967، وهي المرة الثانية بعد تصريحاته المشابهة في احتفالات أكتوبر 2022 حين طالب المصريين بالتضحية والتحمل كما فعلوا من عام 1967 وحتى عام 1982.
وتضيف عرفة أن هذه المفارقات العجيبة تكتمل بالنظر إلى الجهة المنظمة للحفل، وهو إبراهيم العرجاني، الرجل الذي صعد بسرعة الصاروخ من شخص ملاحق جنائيًا وسبق له اختطاف قوة أمنية عام 2008، إلى أن يصبح زعيمًا لتنظيم "اتحاد قبائل سيناء" والرجل الاقتصادي النافذ والمتحكم في معبر رفح البري عبر شركته "هلا" لتنظيم عبور الأفراد والشاحنات برساميل وثروات طائلة.
https://x.com/shirinarafah/status/1854634263855219051
من جانبه، يقدم الأكاديمي د. عصام عبد الشافي عبر حسابه @essamashafy مقارنة نوعية بين طبيعة العدو في المحطتين التاريخيتين، مدونًا:
"الأسوأ من نكسة 1967 انقلاب 2013 .. في 67 كان العدو من الخارج يسعى لاحتلال الأرض وتدنيس السيادة.. في 2013 العدو من الداخل باع الأرض وانتهك العرض وسفك دماء الشعب وتنازل عن ثرواته ومقدراته وتعاون مع أعدائه في التفريط في شريان حياة الوطن وسر حياته نهر النيل.. عدو الداخل عسكر كامب ديفيد".
وفي زاوية متصلة بالسيادة والحدود، يرى المستشار وليد شرابي عبر حسابه @waleedsharaby أن التماهي مع الرغبات الإسرائيلية يمثل انكسارًا أعمق:
"خنوع سلطة العسكر لأي سيطرة عسكرية إسرائيلية على الحدود المصرية مع فلسطين لن يكون حلا، وأي انسحاب من أراضي مصرية بحجة أنه توافق أو تنسيق عسكري أو أمني هو هزيمة أشد قسوة من نكسة ١٩٦٧".
تفكك تحالفات المشهد الانقلابي
يفرد التقرير مساحة منطقية لتتبع مصائر ومواقف الوجوه السياسية والإعلامية البارزة التي تصدرت مشهد الائتلاف المدني والتحريضي في يونيو 2013، يسلط الصحفي نظام المهداوي عبر حسابه المعرف بـ @NezamMahdawi الضوء على الدور المحوري الذي لعبه الدكتور محمد البرادعي، مستذكرًا خروجه لإلقاء بيان جبهة الإنقاذ والتحريض على التظاهر بحجة غياب العدالة الاجتماعية وفشل الرئيس محمد مرسي.
ويشير المهداوي إلى أن النتيجة الفعلية لتلك التحركات كانت تحويل مصر إلى معتقل كبير تقع مفاتيحه وبوصلته السياسية في يد أطراف إقليمية ودولية يمثلها السيسي، في حين آثر البرادعي الانسحاب من المشهد وابتلاع لسانه دون امتلاك الشجاعة الوطنية للإفصاح عن الحقائق أو تشكيل معارضة حقيقية، مشاركًا في جريمة ضياع وطنه. ولا يقتصر النقد عند المهداوي على البرادعي، بل يمتد ليشمل شخصيات إعلامية مثل باسم يوسف، الذي صنع نجوميته وشهرته من الهامش الحر الذي منحه إياه مرسي، ليمارس أكل لحمه على الهواء دون أن يمتلك اليوم الجرأة للاعتراف بتلك الحقيقة أو قول كلمة حق، مكتفيًا بالصمت ومراقبة الكارثة.
وعلى صعيد التحولات الدراماتيكية الداعمة للنظام، يبرز نموذج الإعلامي توفيق عكاشة، الذي تحول من شريك رئيسي احتفلت "الدولة العكاشية" بعقد قرانه وزفافه بالتزامن مع تواريخ 30 يونيو و3 يوليو، إلى شخص طريد ومنبوذ ومذل. وكان عكاشة قد بث وثائقيًا بعنوان "الرجلان" عبر قناته المدعومة من المخابرات ليروي كيف كان "الكتف بالكتف والرأس بالرأس" مع السيسي في هندسة الثورة المضادة، مشبهًا علاقتهما بقصص الأنبياء والتاريخ كصلاح الدين وقطز، لينتهي به المطاف خارج المشهد تمامًا، وهو ما علق عليه الكاتب وائل قنديل بوصفه ذلك الاحتفال القومي بأنه كان التدشين الرمزي لتلك الحقبة.
وفي مقابل الإصرار على الخطأ، يرصد المتابعون بوادر ندم ومراجعات متأخرة؛ إذ نشر حساب المجلس الثوري المصري الموثق بمعرف @ERC_egy تدوينة توثق اعترافات قادة الحراك المدني القديم:
"المتحدث باسم تمرد يندم على مشاركته في #30يونيو ويضرب نفسه 50 جزمة، بينما سياسيون شاركوا في جبهة الانقاذ ودعموا تمرد والبلاك بلوك، وإعلاميون برروا تدخل العسكر وحشدوا الناس ما زالوا يبررون جريمتهم ويعطوننا الدروس كيف أخطأ الإخوان والرئيس الشهيد محمد مرسي. ألا تستحون؟!".
https://x.com/ERC_egy/status/1939421169200804181
عبد الناصر والسيسي التضليل وسيكولوجية "لا تتنحى"
تمثل المقارنة بين الآلة الإعلامية والدعائية لنظامي يونيو 1967 ويونيو 2013 الركيزة الأساسية للتشابه الهيكلي بين الحقبتين العسكريتين. ففي الوقت الذي كان فيه الجيش المصري يتعرض للسحق والإبادة على جبهات القتال في سيناء عام 1967، كانت وسائل الإعلام الرسمية الخاضعة لجمال عبد الناصر تمارس الكذب الممنهج وتوهم الشعب بالانتصارات الوهمية والتوغل في العمق المحتل.
ويؤكد حساب حزب تكنوقراط مصر المعرف بـ @egy_technocrats على هذا التواتر التاريخي للأكاذيب قائلاً: "من عبد الناصر إلى السيسي… تاريخ من الأكاذيب والتضليل للشعب المصري، تتغير الوجوه وتبقى أدوات الدعاية وتزييف الوعي واحدة".
https://x.com/egy_technocrats/status/2062815711798480984
ومن جانبه، يرى حساب صدى مصر @sadamisr25 أن نكسة 1967 لم تكن مجرد خطأ عسكري عابر، بل هي النتيجة الحتمية لطبيعة نظام الحكم العسكري المستمر منذ 23 يوليو 1952.
ويعبر الحساب عن ذلك بالإشارة إلى تعاقب أربعة رؤساء عسكريين على ذات الكرسي بذات الشعارات (الأمن القومي، المؤامرات الخارجية، التهديدات المشتركة) دون تغيير في النتيجة التي تتلخص في إفقار الشعب، وضياع السيادة والموارد من سيناء واليمن سابقًا، إلى تيران وصنافير، ورأس الحكمة، والوراق حديثًا.
وفي قراءة مكملة لبنية الدعاية، يشير المجلس الثوري المصري عبر حسابه @ERC_egy إلى أن عبد الناصر استعان بالكاتب محمد حسنين هيكل لابتداع مصطلح "النكسة" العاطفي كأداة لامتصاص الهزيمة الساحقة وتحويلها إلى حالة طارئة، وهو المشهد الذي تكرر تاريخيًا من خلال صناعة شرعية سياسية مبنية على تسويق الهزائم والإخفاقات الاقتصادية والسياسية كدلالات على الانتصار عبر آلة ضخمة من التضليل.
وتختتم هذه المقارنات التحليلية بـ"سيكولوجية الدهماء" واستجداء المستبد. يستذكر المدونون هتاف "احا احا لا تتنحى" الذي أُخرجت الجماهير لترديده تمسكًا بالزعيم المهزوم عام 1967، ويربطونه بالمنطق السائد لدى الفئات المنتفعة والجاهلة حاليًا التي تردد شعار "خليه يكمل" بذات الحجج الساذجة.
وبحسب الناشط عبد الله التابعي، فإن صمت الشارع المصري حاليًا ليس رضا بالواقع، بل هو رغبة شعب مسالم في الأمان والمعيشة، في حين أن المدافعين عن النظام والمروجين لخطاباته التشاؤمية يمثلون قلة مستفيدة من عائلات النخبة العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية، وبعض الكيانات المصطنعة التي تقتات على بقايا جيل النكسة الأصلي وتكرر تفاصيل الجريمة التاريخية ذاتها دون وعي أو مراجعة.