كواليس الصدام الصِفري بين “مرسي” والعسكر .. خبراء السياسة الدولية: الاغتيال التدريجي والنهاية التراجيدية للرئيس المدني

- ‎فيتقارير

يرى خبراء السياسة الدولية (الغربيون) في أغلبهم، أن ملف اغتيال الرئيس المصري د.محمد مرسي أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث، ليس فقط بسبب ظروف وفاته داخل قاعة المحكمة، بل لأن نهايته جاءت — وفق تحليلات نخبة من أبرز خبراء السياسة الدولية — كخاتمة لمسار صدامي صِفري بين أول رئيس مدني منتخب وبين مؤسسة عسكرية متجذرة في بنية الدولة منذ عقود.

ويؤكدون أن هذا الصدام لم يكن سياسيًا فحسب، بل كان وجوديًا، حيث رأت المؤسسة العسكرية أن صعود مرسي وجماعة الإخوان يمثل تهديدًا مباشرًا لامتيازاتها، وهويتها، ومجال نفوذها الاقتصادي والأمني.

وقدّم هؤلاء الباحثون الدوليون قراءات معمقة تربط بين أداء مرسي السياسي، وطبيعة الدولة العميقة، والانقلاب في 2013، وظروف وفاته، معتبرين أن ما جرى كان أقرب إلى اغتيال تدريجي عبر العزل التام والإهمال الطبي، ضمن استراتيجية هدفت إلى إنهاء التجربة المدنية ومنع أي احتمال لعودة الإسلام السياسي إلى الحكم.

ووصف ديفيد كيركباتريك (David Kirkpatrick) في كتاباته وظيفة مرسي بأنها كانت أشبه بمحاولة قيادة دولة دون السيطرة على عجلة القيادة؛ حيث واجه الرئيس المدني المنتخب مؤسسات "دولة عميقة" راسخة وعدائية، وعلى رأسها الجيش والأجهزة الأمنية والقضاء.

ورأى أن مرسي، بدافع قلة الخبرة السياسية والعزلة، وقع في فخ محاولة إرضاء هذه المؤسسات أحيانًا، وإصدار قرارات أحادية (مثل الإعلان الدستوري) أحيانًا أخرى، مما عمق الاستقطاب مع القوى المدنية وجعله معزولاً سياسيًا قبل الإطاحة به.

وفي كتابه "في أيدي العسكر" (Into the Hands of the Soldiers) وتغطياته لصحيفة نيويورك تايمز، وثّق كيركباتريك تفاصيل عزل مرسي واحتجازه الصارم، معتبرًا أن الإطاحة به كانت عملية منسقة لإنهاء التجربة الديمقراطية.

وعقب وفاة مرسي داخل قاعة المحكمة عام 2019، أشار كيركباتريك في مقالاته إلى أن ظروف سجنه الانفرادي الطويل والحرمان من الرعاية الطبية الملائمة شكلت نهاية مأساوية تترجم طبيعة الصدام الوجودي بين السلطة العسكرية والإسلام السياسي في مصر.

أطروحات كير كباتريك عبر كتابه المطبوع "Into the Hands of the Soldiers"، أو عبر أرشيف مقالاته على موقع صحيفة New York Times.

وركز الباحث جيسون براونلي (Jason Brownlee) على أن مرسي عمل في بيئة سياسية افتقرت إلى "الاستراتيجية الثورية"؛ فبدلاً من السعي لتفكيك البنية السلطوية القديمة لنظام مبارك، اختار مرسي وجماعة الإخوان محاولة التكيف وإبرام صفقات وترتيبات مؤقتة مع القيادة العسكرية والأمنية لضمان البقاء في السلطة، وهو ما اعتبره براونلي خطأً استراتيجيًا قاتلاً أدى إلى إضعاف سلطة الرئاسة المدنية وجعلها مكشوفة تمامًا أمام الثورة المضادة.

ويرى براونلي أن ما حدث في 3 يوليو 2013 كان انقلابًا عسكريًا صريحًا وعنيفًا أعاد صياغة النظام السلطوي بشكل أكثر راديكالية. ولم يربط براونلي نهاية مرسي بـ"مؤامرة اغتيال" مادية مباشرة، بل حللها هيكليًا باعتبارها نتيجة طبيعية لسياسة التنكيل والاقصاء الشامل التي اتبعها النظام الجديد ضد قادة الجماعة، حيث أدت ظروف السجن القاسية والعزل التام إلى تدهور حالته الصحية حتى وفاته.

وتستند هذه التحليلات إلى أبحاثه المنشورة عبر مجلات العلوم السياسية وأوراقه في جامعة تكساس، ومقالاته في موقع Middle East Research and Information Project (MERIP).

ويطرح حازم قنديل (Hazem Kandil) كأكاديمي في لندن فكرة أن مرسي وُضع في بيئة حتمية الصدام؛ فالمؤسسة العسكرية المصرية تاريخيًا (منذ 1952) لم تكن لتسمح بوجود شريك مدني ذي أيديولوجية دينية ينافسها على هوية الدولة وإدارتها.

ويرى قنديل أن مرسي افتقر للوعي بطبيعة العقيدة العسكرية ولم يدرك أن تعيين قيادات جديدة للجيش في أغسطس 2012 لا يعني السيطرة على المؤسسة، بل كان مجرد ترتيب داخلي داخل القوات المسلحة نفسها.

ووفقًا لكتاب قنديل "الجنود والجواسيس والسياسيون"، فإن الجيش استغل بذكاء أخطاء مرسي الإدارية وغضب الشارع في 30 يونيو لتوجيه "الضربة القاضية".

وينظر قنديل إلى نهاية مرسي ووفاته في السجن كجزء من سياق "الحسم الصفرى" للصراع؛ حيث صمم النظام الجديد على غلق القوس تمامًا أمام أي احتمالية لعودة الإخوان، مما جعل ظروف احتجاز مرسي الصارمة أداة لإنهاء رمزيته السياسية قانونيًا وجسديًا.

والمرجع الأساسي لطروحاته هو كتابه الصادر عن دار فيرسو "Soldiers, Spies, and Statesmen: Egypt's Road to Revolt"، واللقاءات التحليلية المرتبطة به.

 

ويرى ستيفن كوك (Steven A. Cook) كاتب فورين بوليسي أن مرسي عمل في ظل بيئة معقدة فشل في إدارتها نتيجة تبنيه لـ"سياسات إقصائية" وإصدار إعلانات دستورية منحت الرئيس صلاحيات مطلقة، مما أدى إلى تدمير أي فرصة لبناء توافق وطني مع القوى الليبرالية والمدنية. هذا الفشل السياسي -بحسب كوك- وفر الذريعة والغطاء الشعبي للمؤسسة العسكرية للتدخل تحت شعار "حماية الدولة من الانهيار".

وفي مقالاته بمجلة فورين بوليسي، يشير كوك إلى أن تولي الجيش للسلطة أنهى قصة نجاح الربيع العربي في مصر. وعن وفاة مرسي، يصفها كوك بأنها تعبير عن "الواقع المأساوي" للنظام السياسي المصري، مشيرًا إلى أن السلطات المصرية تتحمل المسئولية السياسية والأخلاقية عن وفاته بسبب الإهمال الطبي الممنهج وظروف السجن غير الإنسانية، وهو ما ذكره في تحليلاته عقب الحادثة مباشرة.

 

    يمكنك الوصول إلى مقالاته وتحليلاته مباشرة عبر صفحته الرسمية في مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations (CFR) ومجلة Foreign Policy.

 

ويركز ناتان براون (Nathan Brown) على الجانب الدستوري والمؤسسي، موضحًا أن مرسي عمل بناءً على مفهوم مشوّه لـ"شرعية الصندوق"؛ حيث اعتقد أن الحصول على 51% من الأصوات يعنيه صياغة الدستور وقواعد اللعبة السياسية بشكل أحادي دون الحاجة للتوافق مع القضاء، أو القوى المدنية، أو الأجهزة السيادية. هذا الشلل الدستوري والقانوني جعل النظام هشًا وفاقدًا للتوازن.

وحلل براون أحداث 2013 كـ"انهيار دستوري" قاده الجيش لإنهاء التجربة الحزبية للإسلام السياسي. وبالنسبة لوفاة مرسي، ركز براون على الانهيار الحقوقي والقانوني، معتبرًا أن المحاكمات التي خضع لها مرسي وظروف احتجازه افتقرت إلى المعايير الدولية للعدالة، وأن وفاته في السجن تختزل غياب دولة القانون والعدالة الانتقالية في مصر ما بعد 2013.

وأبحاثه وتصريحاته متوفرة بكثافة عبر تقارير Carnegie Endowment for International Peace، حيث يشغل زمالة دراسات الشرق الأوسط.

 

ويتبنى جون إسبوزيتو (John Esposito) رؤية تدافع عن سياق التجربة الديمقراطية؛ حيث يرى أن مرسي واجه ثورة مضادة شرسة منذ اليوم الأول لحكمه من قِبل مؤسسات الدولة القديمة المدعومة إقليميًا، التي لم تمنحه الفرصة أو الوقت الكافي للحكم أو لإصلاح الملفات الاقتصادية والأمنية، معتبرًا أن العقبات وضعت عمدًا لإفشال أول رئيس مدني منتخب.

وكان إسبوزيتو من أشد المنتقدين الدوليين لإقالة مرسي، ووصف ما حدث بالانقلاب العسكري الدموي، منتقدًا الصمت الغربي حيال ذلك. وعقب وفاة مرسي، صرّح إسبوزيتو علنًا بأن مرسي تعرض لـ"اغتيال تدريجي وبطيء" عبر الإهمال الطبي المتعمد والحبس الانفرادي، معتبرًا إياه "شهيد التجربة الديمقراطية" المجهضة في العالم العربي.

تصريحاته وأوراقه البحثية يمكن متابعتها عبر مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة Georgetown University.

ويعمل يزيد صائغ كبيرا للباحثين في مركز كارنيجي للشرق الأوسط، وأحد أبرز الخبراء المتخصصين في دراسة الجيوش العربية والعلاقات المدنية-العسكرية حيث قدم تحليلات هيكلية بالغة الأهمية حول فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، والظروف التي أدت إلى عزلّه في 2013.

ويرى يزيد صايغ أن الصدام بين محمد مرسي والمؤسسة العسكرية لم يكن مجرد صراع على الهوية الدينية أو السلطة السياسية، بل كان صراعاً حول "الاستقلالية الاقتصادية للجيش".

ويشير صايغ إلى أن القوات المسلحة المصرية تدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة ومستقلة منذ عقود. وبمجرد صعود رئيس مدني من خلفية جماعة الإخوان المسلمين، شعرت القيادة العسكرية بالتهديد الوجودي تجاه امتيازاتها الإستراتيجية، وإعفاءاتها الضريبية، وسيطرتها على الأراضي والمشاريع.

ووفقاً لتحليله، فإن خشية الجيش من محاولة السلطة المدنية الجديدة إخضاع ميزانية القوات المسلحة أو مشاريعها الرأسمالية لرقابة البرلمان أو الرئاسة، كانت من الدوافع الأساسية والعميقة التي جعلت العسكر يتخذون قرار الإطاحة بمرسي بمجرد توفر الغطاء الشعبي في 30 يونيو 2013.

ووجه صايغ نقداً بنيوياً لطريقة إدارة مرسي للعلاقة مع القوات المسلحة حيث اعتبر صايغ أن الخطوة التي اتخذها مرسي في أغسطس 2012 بإقالة المشير طنطاوي والفريق سامي عنان، وتعيين عبد الفتاح السيسي وزيراً للدفاع، قرأها مرسي والإخوان خطأً على أنها "سيطرة مدنية كاملة على الجيش". ولم يدركوا أن ما حدث كان مجرد تجديد دماء داخلي وافقت عليه القيادات الوسطى والصغيرة في الجيش، وأن العقيدة المؤسسية للجيش لم تتغير.

ويرى صايغ أن مرسي بدلاً من أن يفتح حواراً حقيقياً وصادقاً لإصلاح قطاع الأمن وتفكيك "جمهورية الضباط" بشكل تدريجي ومدروس، حاول تقديم تنازلات للجيش (ظهرت في مادتين بدستور 2012 تحصنان ميزانية الجيش وموقع وزير الدفاع)، ظناً منه أن هذه التنازلات ستشتري ولاء الجنرالات، مما جعله في النهاية مكشوفاً ومعزولاً عندما قرر الجيش الانحياز للشارع المعارض.

وعلى غرار بقية الأكاديميين الغربيين في مراكز الأبحاث الدولية، لم يتناول يزيد صايغ القضية من منظور "مؤامرة اغتيال مادية مباشرة"، بل وضع وفاته عام 2019 في سياق "الحسم الصِفري الشامل" الذي انتهجه النظام العسكري بعد 2013؛ حيث صُممت ظروف الاحتجاز الصارمة، والعزل التام، والإهمال الطبي لإنهاء الحالة السياسية والرمزية لمرسي وجماعته بشكل كلي، كجزء من عملية تثبيت دعائم "الجمهورية الثانية" التي لا تقبل أي منافسة على السلطة.